القاعدة الثالثة :
القضاء يقتصر على المقضي عليه ، ولا يتعدى إلى غيره (١) :
معنى القاعدة :
الأصل في الحكم القضائي أنه جزئي من حيث الأثر (٢) ، فلا يلزم بالحكم غير المحكوم عليه ( المقضي عليه ) ، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله : " أما الحاكم فحكمه جزئي خاص ، لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله ... ، والقاضي يقضي قضاء معيناً على شخص معين ، فقضاؤه خاص ملزم " (٣).
ويمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي :
أولاً : قضاء عمر بن الخطاب ، في المشتركة (٤) بإسقاط الأخوة من الأبوين ، ثم شرَّك بينهم بعد ذلك ، فسئل عن ذلك فقال : تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا " (٥) .
وجه الدلالة أن قضاء عمر بن الخطاب ، في المسألة الثانية وإعطاءها حكماً جديداً يدل على أن الحكم القضائي يقتصر على المحكوم عليه ، ولا يتعدى إلى غيره وإلا لصح إعطاء عمر بن الخطاب المسألة الثانية حكم المسألة الأولى دون النظر فيها أصلاً .
(١) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص٢١٩، الحموي، غمز عيون البصائر، ج٢، ص٣١٨ .
(٢) من ناحيتين: الأولى من حيث الخصوم ، الثانية من حيث الواقعة المحكوم بها يقتصر حكم القاضي في تلك الواقعة عليها فقط ، ولا يتعدى لما ماثلها من الوقائع وعليه أن يجتهد في كل مرة على حده وفي ذلك يقول ابن فرحون : " إعلم أن القاضي إذا حكم بفسخ نكاح، أو بيع، أو إجارة، وشبه ذلك، بموجب من موجبات الفسخ ، وذلك في مسألةٍ مختلف فيها ... ، فإن حكم الحاكم لا يتعدى ذلك الفسخ ، فلو حدثت قضية أخرى مثل القضية التي حكم فيها بالفسخ ، ورفعت إليه فإنها تحتاج إلى إنشاء نظر أخر من القاضي ... ، وسبب ذلك أن حكم القاضي لا يتعلق إلا بالجزئيات دون الكليات ،ابن فرحون ، تبصرة الحكام ، ج١ ص٧٩، الدسوقي ، حاشية الدسوقي، ج٦، ص٤٨، النووي، روضة الطالبين، ج ١١، ص ١٠٠، أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص ٤٤٣ .
(٣) " وفتوى العالم عامة غير ملزمة، فكلاهما أجره عظيم، وخطره كبير" ، ابن القيم ، أعلام الموقعين ، ج١، ص ٣١ .
(٤) المسألة المشتركة هي : زوج وأم وإخوة لأم ، وأخ شقيق ، فللزوج النصف وللأم السدس ، وللإخوة لأم الثلث، ويشاركهم الأخ الشقيق ، الدمياطي ، إعانة الطالبين ، ج٣ ، ص ٢٢٧ .
(٥) ابن قدامه، المغني ، ج١٠، ص١٠٤ .