ثانياً: القضاء لا يمكن أن يكون شرعاً عاماً يطبق على كل جزئية، وإنما هو تطبيق للشرع في جزئية معينة(١)، وذلك لأن كل جزئية لها ظروفها، وملابساتها التي تختلف عن الأخرى.
ثالثاً: ثم إن القضاء من فعل البشر، وهو عرضة للخطأ، فلا يصح أن يمتد أثره إلى كل جزئية وواقعة(٢)، فلربما يتدارك القاضي ما وقع منه من خطأ في المسائل المشابهة الأخرى(٣).
رابعاً: لأن معظم ما ينظر القاضي فيه يحتاج إلى بينة، والبينة إنما تشهد بما رأته، أو شافهته وذلك أمر جزئي، يقتصر على الواقعة بعينها دون غيرها.
والأصل في الحكم القضائي اقتصاره على المقضي عليه وعدم جواز تعديه إلى غيره(٤) ولكن استثنى فقهاء الحنفية والمالكية بعض الصور التي يتعدى فيها القضاء إلى غير المقضي عليه(٥)، هي:
الحكم بالحرية الأصلية حكم على الكافة، حتى لا تسمع بعد الحكم دعوى أحد عليه بأنه عبد، أما الحكم بالحرية العارضة أي الإعتاق فليس حكماً على كافة الناس بل هو حكم جزئي.
الحكم بثبوت النكاح، فإذا حكم القاضي بالزوجية بين رجل وامرأة، فإنه لا تسمع دعوى رجل آخر بأنها زوجته.
الحكم بالنسب، فإذا حكم القاضي بثبوت نسب فلان من أبيه فلا تسمع الدعوى بخلاف ذلك.
الحكم بالوقف، فقد اختلف فيه، فقيل القضاء بالوقف يقتصر ولا يتعدى إلى الكافة فتسمع الدعوى في الوقف المحكوم به؛ لأن القضاء بالوقف بمنزلة استحقاق الملك، وقيل القضاء
(١) ياسين، نظرية الدعوى، ص ٦٧٦.
(٢) المرجع السابق.
(٣) كما قضى عمر بن الخطاب ه في المسألة المشتركة.
(٤) ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج٤، ص ٣٤٤، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص٢١٩، الحموي، غمز عيون البصائر، ج٢، ص٣١٨، الحطاب، مواهب الجليل، ج٦، ص١٣٩، جعيط، الطريقة المرضية، ص ٢٤٩، ياسين، نظرية الدعوى، ص ٦٧٦، أبو البصل، نظرية الحكم القضائي، ص ٤٤٣
(٥) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص٢١٩، الحموي، غمز عيون البصائر، ج٢، ص٣١٨، ابن الغرس، الفواكه البدرية، ص٦٦، علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص ٥٧٧، واستثنى المالكية ثلاثة مواضع يكون الحكم فيهن كلياً، وهي الحكم بالتصفيق، والحكم بالصحة، والحكم بالفساد، انظر: شرح هذه الأحكام، جعيط، الطريقة المرضية، ص٢٤٩.