واحتجوا بأن المدعي هو المنشئ للخصومة ، فيطلبها قبل أي قاض أراد (١) ، وهذا يتفق مع تعريف المدعي بأنه من لا يجبر على الخصومة وإذا تركها ترك (٢).
القول الثاني : يرى أن الحق في تعيين القاضي الذي ينظر الدعوى يكون للمدعى عليه ، وهو قول الإمام محمد من الحنفية ، وهو المفتى به في المذهب الحنفي (٣) ، واحتج بأن المدعى عليه، دافع للخصومة ، فهو يطلب السلامة لنفسه ، ومن طلب السلامة أولى بالنظر والاعتبار والأصل براءة ذمته ، فأخذه إلى من يأباه لريبه ثبتت عنده ربما يوقعه في إثبات ما لم يكن ثابتًا في ذمته ، وهذا ما ينبغي الاحتراز عنه ، فكان لا بد من مراعاة جانبه بالنظر إليه واعتبار اختياره (٤) ، كما أن العدالة القضائية تقتضي أن لا سلطة للمدعي على المدعى عليه قبل إثبات دعواه ، وعليه فليس له طلبه إلى القاضي الذي ليس في محل إقامة المدعى عليه ، لما يلزم من ذلك تعطيل أشغاله وصرف أمواله (٥) ، فكان الأولى أن نعطي الخيار في تحديد القاضي المختص لنظر الدعوى إلى المدعى عليه .
ومع أن الفتوى في المذهب الحنفي على رأي الإمام محمد - رحمه الله - إلا أن فقهاء الحنفية قد اختلفوا في فهمه على النحو التالي :
الفهم الأول : يرى أن العبرة في تعيين القاضي المختص بنظر الدعوى هي لمكان المدعى عليه (٦).
(١) هذا في حالة وجود قاضيان وكان كل منهما في محلة ، وقد خص بالقضاء بين أهل محلته فقط ، أما إذا كان كل منهما مأذوناً بالحكم على أي من حضر عنده ، فقد اختلف فقهاء الحنفية على قولين :
الأول : يرى تصحيح مذهب أبي يوسف لموافقته لتعريف المدعي .
الثاني : يرى أن لا فرق بين الحالين وأن العبرة لقول المدعى عليه في جميع الحالات ، فالعلة في اعتبار المدعى عليه متوفرة في كلا الحالتين ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، ابن عابدين ، حاشية رد المحتار ، ج٥، ص ٥٤٢، ابن نجيم، البحر الرائق ، ج٧، ص١٩٣، علي حيدر ، درر الحكام ، ج٤ ص٦٠٨ .
(٢) انظر ص ٧٤ من هذه الأطروحة .
(٣) ابن عابدين ، حاشية رد المحتار، ج٥، ص ٥٤٢، ابن نجيم، البحر الرائق، ج٧، ص ١٩٣، علي حيدر ، درر الحكام، ج٤، ص٦٠٨ ، ياسين، نظرية الدعوى، ص٢١٥ .
(٤) المرجع السابق ، ص٢٢٣ .
(٥) ابن عابدين ، حاشية رد المحتار ، ج٥، ص ٥٤٢ ، ابن الغرس ، الفواكة البدرية ، ص٧٦ .