وخاصة العقار، والذي يرى فيه أن العبرة في تعيين القاضي المختص بنظر الدعوى يرجع إلى القاضي الذي يوجد الشيء المدعى به ضمن ولاية اختصاصه، وذلك مظنة تحقيق فائدتين:
الأولى: الاهتداء إلى جهة الحق وإصابته بسبب اتصال القاضي بظروف القضية(١)، فهو الأقرب إلى موضوع النزاع والأقدر على الإحاطة بملابسات القضية وإصدار الحكم المناسب.
الثاني: توفير وقت القضاء وتخفيف مؤونة البحث والتحقيق(٢)، وذلك لأن مثل هذه الدعاوى تحتاج إلى الكشف على موضوع النزاع كالعقار مثلاً، فإقامة الدعوى لدى القاضي الذي يوجد العقار ضمن ولاية اختصاصه يوفر الوقت، والجهد والتكلفة، بخلاف ما لو كانت الدعوى لدى قاض آخر، فإن ذلك يتطلب مزيداً من الوقت، والجهد والتكلفة، وتأخير الحق عن صاحبه، وهذا يتنافى مع الغاية المرجوة من القضاء.
أما القول الأول:
والذي يرى أصحابه أن العبرة في تعيين القاضي المختص بنظر الدعوى هي للمدعي وذلك لأنه هو المنشئ للخصومة، فيملك إقامتها عند أي قاض أراد فيجاب عن ذلك بما يلي:
أولاً: نسلم بصحة القول بأن المدعي هو المنشئ للخصومة، ولكني أرى أن لا تلازم بين القول بأن المدعي هو المنشئ للخصومة، وبين إقامتها عند أي قاض أراد، فالمدعي له الحق في إنشاء الخصومة أو تركها، ولكنه لا يملك إقامتها عند أي قاض أراد، وذلك لأنه يمس حق المدعى عليه، فهو يدعي خلاف الظاهر، والأصل في المدعى عليه براءة ذمته، وقد يكون المدعي مبطلاً في دعواه، فتكليف المدعى عليه الحضور إلى حيث أراد المدعي يترتب على ذلك إلحاق الضرر به، وتعطيل مصالحه الأمر الذي ينبغي الاحتراز عنه فالمدعي ملزم بإثبات دعواه، والمدعى عليه يدافع عن نفسه، ويطلب السلامة لها، فكان الأولى بالاعتبار في تحديد القاضي المختص بنظر الدعوى هو المدعى عليه، وليس المدعي.
ثانياً: أن الشارع الحكيم قد راعى جانب المدعى عليه، وقدمه على جانب المدعي حيث قبل قول المدعى عليه بيمينه، إن عجز المدعي عن إثبات دعواه، فدل ذلك على أنه أولى بالاعتبار والنظر من المدعي، فيكون القول بجعل الاختيار بتعيين القاضي المختص بنظر الدعوى من حق المدعى عليه أقرب لروح الشريعة، وأكثر انسجاماً مع اتجاه الشارع(٣).
(١) ياسين، نظرية الدعوى، ص ٢٢١.
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.