الثاني : اختلافهم في اعتبار طرق الإثبات هل هي تعبدية أم اجتهادية ؟ فمن قال بأن طرق الإثبات تعبدية وقف عند النص ولم يجز الاجتهاد فيها ، ومنع قياس غيرها عليها ، ومن قال أنها اجتهادية معقولة المعنى توسع في اختيار طرق الإثبات ، وأجاز قياس غيرها عليها إذا حققت الغاية وهي إظهار الحق وإثباته (١).
ولست هنا بصدد مناقشة آراء الفقهاء في هذه المسألة حتى لا تخرج الدراسة عن مقصودها ، ولكني أستطيع القول ومن خلال الاطلاع على أراء الفقهاء في هذه المسألة أن التوسع في طرق الإثبات ، والذي يتيح للقاضي مجالاً أوسع للوصول إلى الحق هو الذي يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها ، لاسيما إذا ضبطت هذه الوسائل بضوابط واضحة وقواعد عامة لا تترك مجالاً لكي يكون الأمر عرضة لأهواء القضاة ورغباتهم الشخصية (٢)، خاصة في زماننا هذا الذي تقدم فيه العلم وتطورت فيه وسائل الإثبات كالبصمة الوراثية ، والطب الشرعي ، وتحليل فصائل الدم(٣)، وغيرها من العلوم التي أصبحت الآن في زماننا تلعب دوراً كبيراً في كشف الحقائق والوقوف على ملابسات غامضة حاول أصحابها إخفاءها حتى لا تأخذ العدالة مجراها ، ولذا نجد المحاكم في زماننا تستعين بالطب الشرعي (٤) في كثير من القضايا التي تقف عاجزة أمامها للوصول إلى العدالة المنشودة .
(١) العمر ، المستجدات في وسائل الإثبات ، ص٢٩ .
(٢) المرجع السابق ، ص ٣١ .
(٣) انظر: حكم الاعتماد على هذه الوسائل في الإثبات في المرجع السابق، ص ١٤١، ١٥١، ١٦٦ .
(٤) قانون أصول المحاكمات الشرعية ، المادة (٩٠) .