القول الثاني : يرى عدم اشتراط المطالبة من قبل المدعي ، بل يكفي في ذلك تقديم دعواه ، وبه قال أصحاب الفتاوى من الحنفية (١)، وهو قول عند الشافعية والحنابلة (٢).
أدلة الفريقين :
أولاً : أدلة أصحاب القول الأول :
١ - أن حق الإنسان إنما يجب إيفاؤه بطلبه ، فالقاضي لا يعلم حقوق الناس حتى يحكم بينهم دون طلبهم (٣).
٢ - الحكم حق المدعي فيجوز أن يكون غير طالب له ، وإنما ذكر القضية على سبيل الحكاية فإذا طلبه تبين للقاضي غرضه (٤).
٣ - ولأن القاضي نّصِّب لقطع الخصومات ، لا لإنشائها فإذا طلب المدعي القضاء له بحقه أجابه إلى طلبه ، وإن سكت سكت ، فإن نظر في الدعوى من غير طلب للحق من قبل المدعي كان منشئا للخصومة ، ومؤججاً لها ، وهو ما لم يجعل القضاء لأجله (٥).
ثانياً : أدلة أصحاب القول الثاني :
استدلوا بأن المقدمات ودلالة الحال تشير إلى أن المدعي لا يقصد بدعواه إلا الحكم له بحقه وإعطاءه إياه ، وكون المدعي يقول ذلك حكاية واستفتاءُ بعيد جداً ؛ لأن مجالس القضاء لم تنشأ لهذا الغرض (٦).
والراجح فيما أرى - والله أعلم - هو القول الأول لقوة أدلتهم ، وضماناً لحياد القاضي فإن القاضي قد نصب لقطع الخصومات لا لإنشائها ، فإذا بين المدعي طلبه أجابه وإلا فلا، ثم إن صاحب الحق قد يدعي الحق أمام القاضي دون أن يطالبه بالحكم ثم يترك الدعوى تنازلا عن حقه ،وقد تقرر سابقاً أن المدعي من لا يجبر على الخصومة ، وبالتالي فإنه لا يحكم إلا بطلب.
ومما ينبغي ذكره هنا أن هذا الشرط إنما يطلب إذا كان موضوع الحكم في حقوق العباد.
(١) وذهبوا إلى اعتبار هذا الشرط ضعيفاً ،بخلاف أصحاب المتون الذين جعلوه شرطا، والقول الراجح عندهم هو قول أصحاب الفتاوى ، ابن عابدين ، حاشية رد المحتار ، ج٧ ، ص ٤٢٧ .
(٢) الماوردي ، الحاوي ، ج٢، ص٣١٦، البهوتي، شرح منتهى الارادات، ص٥١٤.
(٣) الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج٥، ص٣٣٣ ، علي حيدر ، درر الحكام، ج٤، ص ٦٦٥.
(٤) الأبياني ، مباحث المرافعات الشرعية ، ص٨ .
(٥) ياسين ، نظرية الدعوى، ص ٤١٧ ، نقلاً عن أحمد إبراهيم، موجز في المرافعات الشرعية ، ص ١١ .
(٦) المرجع السابق .