ثم إذا نظرنا في حال السلف وعلمهم وعملهم لوجدنا أن غاية ما عندهم أن يكونوا موافقين لرسول الله ﷺ لأنّ كلّ ما عندهم من العلم والإيمان إنما اكتسبوه من نبيهم ﷺ الموجود بين ظهرانيهم(١).
كما تميزوا ﷺ بميزة أخرى هي أعظم ما أنعم الله به عليهم وهي اعتصامهم بالكتاب والسنة ، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنّه لا يقبل من أحد أبداً أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه فإنه قد ثبت عندهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم(٢).
وأخيراً أنقل نصّاً لشيخ الإسلام رحمه الله يبين فيه شدة تمسكه بهذا الأصل ويظهر من خلاله قوة الاحتجاج به في المناظرة قال في العقيدة الواسطية : ( ... قد أمهلت من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد من القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك وعليّ أن آتي بنقول جميع الطوائف من القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته )(٣).
ومن خلال بحثي هذا وجدت لهذا الأصل صدى كبيراً في قواعد الشيخ فحين يستدل مثلاً لقاعدة " لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ " وحدته يحشد عدداً كبيراً من الآثار عن الصحابة ﷺ تبيّن بما لا يدع مجالاً للشك الفهم الصحيح والتطبيق الفعلي للأدلة الواردة في القاعدة مما يطمْئِن طالب العلم إلى أنّ هذا القول
(١) انظر: مجموع الفتاوى ، ابن تيمية، ١٥٨/٤- ١٥٩.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ، ابن تيمية، ٢٨/١٣.
(٣) مجموع الرسائل الكبرى ، ٤١٧/١ .