فإذا كان - رحمه الله - يرى أن أيّ مسألة دينية لا بد أن تعرض على الدليل الشرعي ، فهو يرى أيضاً ضرورة فهم هذا الدليل بما يتناسب مع المقاصد الشرعية العامة ، وإلا وقع طالب العلم في الخطأ ومصادمة النصوص بعضها مع بعض ، قال - رحمه الله - : ( وأحقّ الناس بالحقّ من علّق الأحكامْ بالمعاني التي علقها بها الشارع )(١). وقال : ( فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ )(٢).
ويتجلّى اهتمامه بهذا الأصل من خلال مراعاته في فقهه على إبراز مقاصد الشارع من النصوص ، وحرصه في التطبيق على تحقيق ما من شأنه توفير الخير والصلاح للناس ، ودرء ما فيه فساد لمعاشهم ودينهم، قال - رحمه الله - : ( ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما وبدفع شر الشرين باحتمال أدناهما)(٣).
ومما يجدر التنبيه إليه أنّ العمل بهذا الأصل عند الشيخ يتميز عن غيره ، فهو يرى أن المصالح الشرعية التي تراعى إنما توزن وتقدّر بمعايير الشرع، ولا يعمل بها هكذا على الإطلاق وإلا أدّى ذلك إلى التلاعب بالشريعة ، وتغيير الأحكام بحجة المصلحة كما فعل ذلك كثير من المنتسبين للعلم ، قال - رحمه الله - : ( لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع
(١) الفتاوى الكبرى، ٥١٦/٢ .
(٢) الفتاوى الكبرى، ٤٩٣/١ .
(٣) مجموع الفتاوى ، ٢٣٤/٣٠.