Al-Salafiyyūn wa-ḥiwār hādiʾ maʿa al-Duktūr ʿAlī Jumʿa
السلفيون وحوار هادئ مع الدكتور علي جمعة
Publisher
دار الخلفاء الراشدين - دار الفتح الإسلامي
Publisher Location
الإسكندرية
Genres
•Islamic thought
Regions
Egypt
وننقل هنا أيضًا كلامًا نفيسًا للإمام القرطبي في تفسيره نُهْدِيه للمفتي لنَرُدّ به اتهامه للسلفيين بأنهم يقلدون في العقائد، قال الإمام القرطبي: «ذَهَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف اللهَ تَعَالَى بِالطُّرُقِ الَّتِي طَرَقُوهَا وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحّ إِيمَانه وَهُوَ كَافِر؛ فَيَلْزَم عَلَى هَذَا تَكْفِير أَكْثَر الْمُسْلِمِينَ، وَأَوَّل مَنْ يَبْدَأ بِتَكْفِيرِهِ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافه وَجِيرَانه.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى بَعْضهمْ هَذَا فَقَالَ: «لَا تُشَنِّع عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْل النَّار». أَوْ كَمَا قَالَ.
قُلْت (١): وَهَذَا الْقَوْل لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ جَاهِل بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّة نَبِيّه ﵌ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ رَحْمَة اللهِ الْوَاسِعَة عَلَى شِرْذِمَة يَسِيرَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاقْتَحَمُوا فِي تَكْفِير عَامَّة الْمُسْلِمِينَ.
أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْل الْأَعْرَابِيّ الَّذِي كَشَفَ عَنْ فَرْجه لِيَبُولَ، وَانْتَهَرَهُ أَصْحَاب النَّبِيّ ﵌: «اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَم مَعَنَا أَحَدًا». فَقَالَ النَّبِيّ ﵌: «لَقَدْ حَجَرْت وَاسِعًا». خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة (٢).
(١) أي الإمام القرطبي.
(٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا». فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﵌ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» يُرِيدُ رَحْمَةَ اللهِ. (رواه البخاري).
وفي رواية لأبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ جَالِسٌ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﵌ وَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» أَوْ قَالَ: «ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ». (رواه أبو داود وصححه الألباني).
والسَّجْل: الدلو إذا كان فيه ماء قلّ أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة «سَجلٌ»؛ والذَّنُوب: الدلو العظيمة إذا كانت مَلأى ماء، وقد يكون فيها ماء قريب من المِلء.
[باختصار من شرح سنن أبي داود لبدر الدين العيني الحنفي (٢/ ٢١١)].
1 / 63