Hadaiq Wardiyya
============================================================
ونوره بالحكمة، ومرته على الزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفنآء، وبصره فجآئع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من قبلك، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعما اتقلبوا؟ قانك تجدهم انقلبوا عن الأحبة، ونزلوا دار الغربة، فكانك عن قليل صرت كاحدهم؛ فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لاتعرف، والنظر في مالم تكلف، وأنسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فان الوقوف عند حيرة الطريق خير من رتوب الأهوال، وأمر بالمعروف، وكن من أهله، وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وياين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده، ولا ياخذك في الله لومة لآئم.
ل وفي رواية أخرى: وعود نفسك الصبر على المكروه، ونعم الخلق الصبر(1)، والجى نفسك في أمورك كلها إلى إلهك؛ فإنك تلجثها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، واخلص المسألة لريك : فان في يديه العطاء والحرمان، وأكثر من الاستخارة، واحفظ وصيتي، ومن هاهنا اتفقت الروايتان: ولا تذهين عنك صفحا ؛ فإن خير القول ما نفع.
واعلم يا بني أنه لا غناء بك عن حسن الارتياد، وبلاغ الزاد، مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك، فيكون عليك ثقلا ووبالا، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج إليه فاغتنمه ؛ فإن أمامك عقبة كثودا لا محالة، وإن مهبطها يكون على جنة أو على تار، فارتد يابني لنفسك قبل نزولك، وأحمن إلى غيرك كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضى لهم، ولرب بعيد قرب من قريب، والغريب من ليس له حبيب، ولربما أخطا البصير قصده، (1) في الامالي والنهج: التصبر.
(139)
Page 152