124

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

من هذا الرأي، وله دالة عند السلطان والأمراء؛ ولم يكتف بالمجاهرة القولية، بل كتب في ذلك رسالة؛ فاستعان هذا الشيخ بالأمراء، ونفي ابن تيمية بسبب ذلك إلى الإسكندرية، وقد ناصره في هذه المرة الفقهاء والقضاة. وفي معتقله بالإسكندرية، كان يبث فكرته وينشر دعوته؛ حتى أفرج عنه الناصر، فاندفع الشيخ كالسيل في إبطال قول الاتحاديين، حتى خضد شوكتهم، ولم يعد لهم قوة على الوقوف في جهة.

ثم جاء الدور الثالث حيث عاد إلى دمشق، وجلس للإفتاء وقد انتصر في المعارك الفكرية التي خاضها، كما انتصر من قبل في ميدان الحرب، وما إن أفتى حتى خالف ما عليه جمهور الفقهاء في مسائل في الطلاق وغيرها، فثار عليه الفقهاء المقلدون وشكوه للسلطان، وأخذ عليه العهد بألا يفتى، ثم نبذ ذلك العهد وأفتى وألقى كعادته بحججه من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

ثم نزع الخصوم جميعاً عن قوس واحد ورموه، عندما أفتى بعدم القربة في التمسح بالقبور؛ والطواف حولها، ومنها قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك كان الحبس، فانتقل إلى الجدل من المشافهة إلى الرسائل، وهو يلقي فيها بحججه، وكأنها شواظ من نار، تلتهم أقوال الخصوم، ومن عنف هذه الرسائل المنبعثة من حجرات السجن، كان التضييق الشديد ومنع الكتابة حتى الوفاة.

ومن هذا يتبين أن حياة ذلك الرجل القوي في مواهبه ونفسه وإرادته كانت كاما للعلم الخالص، وبذلك أنتج ما أنتج، واهتدى إلى ما اهتدى، ولم يخلف لأقاربه الأدنين مالا، ولكنه خلف للمسلمين تركة من الفكر والعلم والكلام البليغ لا تزال حجة لكل من يريد إزالة غشاوة الجهالة والتقليد من غير روية - عن الإسلام وسندرس بعضها دراسة فاحصة، والله ولي التوفيق.

123