Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Your recent searches will show up here
Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
١٣٣- إن البذرة الصالحة لا تنمو إلا بسقى ورعى، وجو تتغذى منه وتعيش فيه، فكل حي في الوجود يتأثر بالجو الذي يستنشق منه والبيئة التي تظله؛ فإن التيئات تفعل في نفس الإنسان ما لا يفعله المربون، ولذلك كان للعصر الذي يعيش فيه العالم الأثر الذي يوجهه، وقد يكون الأثر من جنس حال العصر، فإن كان العصر فاسداً فسد الرجل، وإن كان صالحاً صلح؛ وقد يكون التأثير عكسياً، فكثرة الفساد تحمل على التفكير الجدي في الإصلاح وكثرة الشر تحمل على استحصاد العزائم للخير؛ وقد تكون دافعة المصلح لأن يفكر في أسباب الشر فيقتلعها، وفي نواة الخير الكامنة فيغذيها. وكذلك كانت المجاوبة بين ابن تيمية وعصره. تغذت روحه غذاء صالحاً مما درس في صدر حياته، وما عكف عليه في كهولته وشيخوخته من رجوع إلى ينابيع الشرع الأولى، والكنز المختفي من الهدى النبوي؛ وما كان عليه سلف المؤمنين، فكانت المعركة الشديدة تعتلج في نفس ذلك الرجل العظيم، يرى فيما درس من الإسلام نوراً ساطعاً لامعاً، ويرى في عصره ظلمة شديدة، وفساداً في كل نواحيه، يرى في ماضي الإسلام عزة واتحاداً ونماء، ويرى في عصره ذلة وانقساماً. يرى في ماضيه حكماً صالحاً، وأمور المسلمين شورى بينهم، ويرى في حاضره استبداداً وطغياناً، وقد أكل القوي الضعيف واستمرأ الحاكم لحم المحكوم وماله.
فتقدم الرجل ليصلح وليداوي، وقد وجد الدواء بأيسر كلفة، ومن أسهل طريق، وجده في كتاب الله وسنة رسوله وأعمال الصحابة وكبار التابعين، فتقدم بالدواء ونادى به، وما كانت آراؤه العلمية كلها إلا دواء لأدواء عصره، ولو فتشت عن البواعث التي بعثته للمجاهرة بكل رأي قاله، لوجدت أن الذي بعث على المجاهرة عيب في الزمان، وفساد عند أهل العصر في العمل، أو في الفكر فيهما معاً.
124