128

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الرومان بآسيا الصغرى فانقضوا عليه، وكانت جيوشهم تحصد جيوش الدولة البيزنطية؛ وخشيت تلك الدولة أن تقع القسطنطينية في أيديهم لقمة سائغة، ولو راموها، ما تعصى عليهم فتحها؛ بل لوجدوها كمثرى ناضجة.

لم يجد الرومان حيلة إلا أن يمتد نظرهم إلى طلب المعاونة من إخوانهم اللاتين في روما وفرنسا وسائر ربوع أوربا: وإنهم وإن فرقت بينهم النحل الدينية؛ واختلافهم حول انبعاث روح القدس الأقنوم الثالث من الآب أو الابن، يرضون أن يكونوا مأكولين لهم عن أن يكونوا مأكولين للمسلمين؛ فلجأوا إليهم طالبين المعونة.

ووجد أولئك اللاتين فرصة سانحة لاحَت لهم؛ إذ أنهم يريدون أن يطووا تلك الكنيسة التي تمردت عليهم، وهي كنيسة القسطنطينية في كنيستهم؛ ويضعوها في قبضتهم، وفوق ذلك يريدون أن يكون بيت المقدس تحت سلطانهم، لأنه مهد المسيحية الأولى وفيه ولد ناسوت المسيح، وقبر ثم قام على حسب اعتقادهم، فمن استولى عليه فقد استولى على عرش المسيحية في كل البقاع، ولا ينفذون إليه إلا من القسطنطينية، وعلى جسر من تلك الدولة التي كانت تتغطرس لهم، لذلك عندما جاءت الدعوة إلى النصرة؛ وجدوها فرصة لاحت، والتقى الغرض السياسي مع المقصد الديني، فأجابوا النداء. وتحمس القساوسة ورجال الدين للإجابة، إما لهذا الغرض المزدوج، أو الثاني منه فقط؛ واندفع بعض الرهبان يدعو العامة والخاصة.

ولقد نسبت الحرب الصليبية الأولى إلى بطرس الراهب. لأنه هو الذي طاف داعيا إلى فتح البلاد المقدسة يقول إنها تفيض لبنا وعسلا؛ وقد تكون دعوته الدينية والمادية لها فعلها في نفوس العامة؛ فكانت أوضح الأسباب الظاهرة؛ ولكن التاريخ يثبت أن الوقائع الكبيرة تكون أسبابها الظاهرة هي أضعف الأسباب دائماً؛ وأقواها ما فرخ ونما وعاش في رءوس الساسة ورجال الملك والحكم. وما يدفعهم إلا المطامع وحب الاستيلاء والغلب.

127