129

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

١٣٦- وقد كانت تلك الدولة اللاتينية لها نكايات مع المسلمين في الأندلس والبحر الأبيض المتوسط، ويقول في ذلك ابن الأثير: «كان ابتداء ظهور الفرنج وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس؛ ثم قصدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية، وملكوها؛ وتطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منه شيئاً وأخذ منهم، ثم ملكوا غيره فلما كانت سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام (١)».

اتجه الصليبيون إلى الشرق الإسلامي بمزيج من العاطفة الدينية الحادة، وحب الغلب والاستيلاء، والطمع المادي، وقد لقوا أول لقاء قوماً أشداء من السلاجقة وقفوهم، وأعملوا فيهم السيف، ثم توالت الحرب واشتدت وأخذوا بيت المقدس وساموا المسلمين الخسف، بل لم يسلم منهم بعضهم المسيحيين إخوانهم في الدين.

لما طاب النصر للاتين ردحاً من الزمان؛ وتحكموا في البيزنطيين، وكثيرين من أتباع كنيسة القسطنطينية، تحركت الإحن الدينية القديمة، وما جمعته الشدة فرقه الرخاء؛ ومن وحدهم المقصد في البأساء فرقتهم الأغراض في النعماء، وعندئذ صار بأسهم بينهم شديداً؛ وكانت أسباب انهزامهم من ذات أنفسهم، وقد كانوا يحملونها عند غاراتهم، ولكنها كانت في خفاء حتى أظهرتها النعمة.

وفي هذا الوقت تصدى لهم من المسلمين قواد أقوياء، وإذا كان هؤلاء قد

(١) الكامل لابن الأثير ج ١٠ ص ٤٩٠. ولقد ذكر من أسباب الحروب الصليبية أن الفاطميين بمصر لما رأوا ملك السلاجقة يتسع حتى استولوا على الشام، ولم يكن لهم قبل بدفعهم كاتبوا ملوك الأفرنج، وهذا نص كلامه: «وقيل إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم. خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه، ويكون بينهم وبين المسلمين، والله أعلم». أ هـ.

128