Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
استناموا إلى النعماء فتفرقوا، فالمسلمون أصابهم قرح الحرب فتجمعوا، وبقوة دينية عاطفة، وسيوف إسلامية ماحقة، وقلوب محمدية هادية أخرجوا من الديار.
وقد شغلت تلك الحروب المسلمين نحو قرن ونصف من الزمان أبلى فيهما السلاجقة، ثم الأيوبيون بلاء حسناً، وكانت آخر ضربة وجهتها الجيوش المصرية، فألقوا جيوش الفرنجة في البحر، وألقوا ملوكهم في غيابات السجن.
١٣٧- في هذه الحرب الضروس التي التقى فيها المسلمون بالمسيحيين كان تحت سلطان المسلمين من الذميين المسيحيين عدد كبير، وخصوصاً في فلسطين من يجاورون الأراضي المقدسة تيمناً بها، وكانت قلوب هؤلاء بلا شك مع إخوانهم، إن لم يكونوا عيوناً على المسلمين، وكلما اشتدت بالمسلمين شديدة كانت لهم بها فرحة، وخاصة قبل أن يبتلوا باللاتين ويعرفوا أن عمامة المسلمين أرحم بهم من انتهاك الصليبي المثلث الرحموت كما جاءت بذلك عباراتهم؛ بل حتى إن بعضهم بعد أن ابتلى بحكمهم تشتد به النزعة الدينية، فيتغلب على ألم الظلم والاستبداد.
وإذا كان ذلك شعورهم وهو طبيعي، فلا بد أن يكون منهم في هذه الحرب ما يثير الظنة بهم، وإن لم يكن ما يثير الظنون، فالاحتياط يوجب السبق بالشك، والعمل على منع أذاهم قبل أن يقع، ولذا كانوا يبعدونهم حتى لا يكونوا إلباً عليهم، أو يكشفوا عن عوراتهم، ولقد جاء عن أول لقاء في أنطاكية في الكامل ما نصه:
لما سمع صاحب أنطاكية بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها، فأخرج المسلمين من أهلها، ليس معهم غيرهم، وأمرهم بحفر الخندق، ثم أخرج في الغد النصارى لعمل الخندق أيضاً، ليس معهم مسلم فعملوا فيه إلى العصر، فلما أرادوا دخول البلد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم تهبونها لي حتى يكون منا ومن الفرنج، فقالوا من يحفظ أبناءنا ونساءنا، فقال أنا أخلفكم فيهم. فأمسكوا وأقاموا في عسكر الفرنج، فصروها تسعة أشهر، وظهر من شجاعته (أي أمير المدينة) وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره، وحفظ أهل نصارى أنطاكية
129