104

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها﴾ قالوا: وكذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقٍّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، واحتج بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال إسحاق: يقول لا تبديل للخلقة التي جُبل عليها ولد آدمٍ كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإِنكار، واحتجُّ بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ﴾.

قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى فقال: انظروا أن لا تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر، قال: وكان الظاهر ما قاله موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس فأعلم الله سبحانه الخضر ما كان الغلام عليه من الفطرة التي فُطر عليها وأنه لا تبديل لخلق الله فأمره بقتله لأنه كان قد طُبع يوم طبع كافراً. قال إسحاق: فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم يبيِّن لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جُبل كلّ واحد عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم حكم الدنيا في الأطفال بقوله: ((أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)) يقول: أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين فمن كان صغيراً بين أبوين مسلمين أُلحق بحكم الإسلام، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله. وإنما فضل الله الخضر في علمه بهذا على موسى لما أخبره بالفطرة التي فطره عليها ليزداد موسى يقيناً وعلماً بأن من علم الخضر ما لا يعلمه نبي ولا غيره إذ الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا قدر ما علمهم الله فصار الحكم على ما كان عند موسى هو حكم الشرع في الدنيا وما بطن من علم الخضر كان الخضر مخصوصاً به، فإذا رأيت الصغير بين أبوين مسلمين حكمت له بحكم الإِسلام في المواريث والصلاة وكل أحكام المسلمين ولم تعتد بفعل الخضر، وذلك لأنه كان مخصوصاً بذلك لما علمه الله من العلم الخفي فانتهى إلى أمر الله في قتله، ولقد سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الولدان أفي الجنة هم؟ يعني

102