105

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

ولدان المسلمين والمشركين فقال: (حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر) وهو تفسير ما اقتصصنا من قبل من علم الله وحكم الناس أنهما مختلفان، ألا ترى أن عائشة - رضي الله عنها - حين قالت لما مات صبيّ من الأنصار بين أبوين مسلمين: طوبى له عصفور من عصافير الجنة! رد عليها النبي ﷺ فقال: ((مه يا عائشة! وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً)). قال إسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم.

قال شيخنا وما ذكرته هذه الطائفة أن المعنى أن الله فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والإِنكار، إن أرادوا به أن الله سبق في علمه وقدره أنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون وأن ذلك كان بمشيئة الله وقدره وخلقه فهذا حق لا يرده إلا القدرية، وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنِّكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق فهذا يتضمن شيئين:

أحدهما: أن المعرفة كانت موجودة فيهم كما قال ذلك كثير من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه فهذا إن كان حقاً فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإِقرار، وهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أنهم يولدون على الملة وأن الله خلقهم حنفاء بل هو مؤيد لها.

وأما قوله: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى طائع وكافر فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السدي، وفي تفسيره لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال: ادخلوا النار ولا أبالي وذلك قوله: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أو يقولوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه وذلك قوله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] وكذلك قوله ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] يعني يوم أخذ الميثاق.

103