Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
بلا مرجح أو ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا سبب يقتضي ذلك باطل في بديهة العقل، ولو قيل إن ذلك صحيح لبطل الدليل الذي يستدل به على ثبوت الصانع وحدوث العالم فإن مبنى الدليل على أن المحدث لا بد له من محدث، وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على العدم لا بد له من مرجح ولا بد أن يكون للمحدث مرجح قد حدث منه ما يستلزم وجود المحدث الذي جعله موجوداً وإلا إذا لم يلزم وجوده كان وجوده جائزاً ممكناً كان محتملاً للوجود والعدم، فترجيح الوجود على العدم لا بد له من مرجح محدث له وكل ما أمكن حدوثه إن لم يحصل له ما يستلزم حدوثه لم يحصل فما شاء الله كان لا محالة ووجب وجوده بمشيئة الله وما لم يشأ لم يكن بل يمتنع وجوده مع عدم مشيئة الله - تعالى-، فما شاء الله حدوثه كان لازم الحدوث واجب الحدوث بمشيئته لا بنفسه، وما لم يشأ حدوثه كان ممتنع الحدوث لازم العدم واجب العدم لأنه لا يوجد بمشيئة الله المستلزمة لحدوثه ثم إن الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم قالوا ما ذكر تموه من الدليل لا يدل على الحدوث بل يقتضي عدم الحدوث لأن حدوث الحوادث عن ذات لم تزل معطلة عن الفعل باطل فيكون العالم قديماً وعبروا عن ذلك بأن جميع الأمور المعتبرة في كونه فاعلاً إن وجدت في الأزل لزم وجود الفعل في الأزل وإلا لزم تخلف المقتضي التام وحينئذ فإذا وجدت بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم توجد في الأزل فوجودها بعد ذلك أمر حادث فيقتضي أمرًا حادثاً وإلا لزم الحدوث بلا محدث، وحينئذ فيلزم تسلسل الحوادث فإن القول في هذا الحادث كالقول في غيره، وهذا مما ينكره المعتزلة وموافقوهم المتكلمون قالوا: فأنتم بين أمرين إما إثبات التسلسل في الحوادث وإما إثبات الترجيح بلا مرجح وكلاهما ممتنع عندكم، ثم زعم هؤلاء الفلاسفة أن العالم القديم بناء على هذه الحجة.
ومن سلك سبيل السلف والأئمة أثبت ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم من حدوث العالم بالدليل العقلي الذي لا يحتمل النقيض وبين خطأ المتكلمين من المعتزلة ونحوهم الذين خالفوا السلف والأئمة بابتداع بدعة مخالفة للشرع والعقل، وبين أن ضلال الفلاسفة القائلين بقدم العالم ومخالفتهم للعقل والشرع أعظم من ضلال أولئك، وبيان الاستدلال على حدوث العالم لا يحتاج إلى الطريق التي سلكها أولئك،
109