112

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

المتكلمون بل يمكن إثبات حدوثه بطريق أخرى صحيحة لا يعارضها عقل صريح ولا نقل صحيحٍ وثبت بذلك أن كل ما سوى الله فإنه مُحدث كان بعد أن لم يكن سواء سمي جسماً أو عقلاً أو نفساً أو غير ذلك، فإن أولئك المتكلمين من المعتزلة وأتباعهم لما لم يكن في حجتهم إلا إثبات حدوث أجسام العالم قالت الفلاسفة ومن وافقهم من المتأخرين كالشهر ستاني والرازي والآمدي وغيرهم: أنكم لم تقيموا دليلاً على نفي ما سوى الأجسام وحينئذ فإثبات حدوث أجسام العالم لا يقتضي حدوث ما سوى الله إن لم تبينوا أن كل ما سواه جسم، وأنتم لم تثبتوا ذلك ولهذا صار بعض المتأخرين كالأرموي ومن وافته إلى أن أجسام العالم محدثه وأما العقول والنفوس فتوقفوا عن حدوثها أو قالوا بقدمها، وإن كان حقيقة قولهم إنه موجب بالذات لها وإنه محدث للأجسام بسبب حدوث لبعض التصورات والإِرادات التي تحدث للنفوس فيصير ذلك سببا لحدوث الأجسام وهذا القول كما أنه معلوم البطلان في الشرع فهو أيضا معلوم البطلان في العقل كما سنبينه إن شاء الله - تعالى-، فنقول الدليل الدال على أن كل ما سوى الله محدث يتناول هذا وهذا وأيضا فإذا كان موجباً بالذات كان اختصاص حدوث أجسام العالم بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده يفتقر إلى مخصص، والموجب بذاته لا يصدر عنه ما يختص بوقت دون وقت إذ لو جاز ذلك لم يكن موجبا بذاته ولجاز حدوث العالم عنه ولأن النفوس التي يثبتها الفلاسفة هي عند جمهورهم عَرَضٌ قائم بجسم الفلك فيمتنع وجودها بدون الفلك وعند ابن سينا وطائفة أنها جوهر قائم بنفسه لكنها متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف وحينئذ فلو وجدت ولا تعلق لها بالجسم لم تكن نفساً بل كانت عقلاً فعلم أن وجود النفس مستلزم لوجود الجسم، فإذا قال هؤلاء: إن النفس أزلية دون الأجسام كان هذا القول باطلاً بصريح العقل مع أنه لم يُعرف به قائل من العقلاء من قبل كان هؤلاء وإنما ألجأ هؤلاء إلى هذا ظنهم صحة دليل المتكلمين على حدوث الأجسام وصحة قول الفلاسفة بوجود موجود ممكن غير الأجسام وإثبات الموجب بالذات فلما بنوا قولهم على الأصل الفاسد لهؤلاء ولهؤلاء لزم هذا مع أنهم متناقضون في الجمع بين هذين فإن عمدة المتكلمين على إبطال حوادث لا أول لها وعمدة الفلاسفة على أن المؤثرية من لوازم الواجب بنفسه فإذا قالوا بقدم نفس لها

110