Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
ثبوتك ظهرت به في وجودك، ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحدا شيئا ولا أغنى أحدا ولا أسعده ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك، ويقولون: إن هذا هو سر القدر، وأن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة، ويقولون إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد، وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم ياخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل، ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله - تعالى - وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله - سبحانه - وأن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، بمعنى حكم لا بمعنى أمر فما عُبد غيرُ الله في كل معبود، فإن الله تعالى ما قضى بشيئ إلا وقع ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية، وأن قوم نوح قالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم، لأن للحق في كل معبود وجهاً عرفه من عرفه وينكره من أنكره وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد، فإن الجاهل يقول هذا حجر وشجر والعارف يقول هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا تقتصر وأن النصارى إنما كفروا لأنهم خصَّصوا وأن عباد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء والله أيضا يعبد كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والاحكام، وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه وهو خليل كل شيئ بهذا المعنى، ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت، وليست إلا أموراً عدمية، ويقولون من أسمائه الحسنى العليُّ عن ماذا وما ثمَّ إلا هو وعلى ماذا وما ثمَّ غيره؟ فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو، وما نكح إلا نفسه وما ذبح سوى نفسه، والمتكلم هو عين المستمع وأن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه، وإن موسى كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وأن
117