133

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

وصدقوا بالوعد والوعيد فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإِيمان به إثباتُ القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإِيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب فصدقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

واعلمْ أنَّ الإِيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواصِّ الخلق ولبِّ العالم، وليس الشأن في الإِيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر ومنهم من يرده إلى العلم ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر وكذلك الحكمة، فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها فإنهم يجعلونها مطابقةَ علمه - تعالى - لمعلومه - تعالى - وإرادته لمراده - تعالى -فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته، والقدرية النفاة لا يرضون بهذا بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ويجعلونها مخلوقاً من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها، وكذلك الأمر والشرع فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يحب شيئاً ولا يبغض شيئاً وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو مكروه له ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له، ولم يكلف أحداً ما يقدر عليه بل كل تكليفه تكليف مالا يطاق، ولا قدرة للمكلف عليه البتة ويجوز أن يعذب رجالاً إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالاً وسوداً حيث لم يكونوا بيضاً وبيضاً حيث لم يكونوا سوداً ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين ويرسل رسولاً يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور، ولا ريبَ أنَّ هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم

131