Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
سبحانه - أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئاً البتة كيف وقد أخبر النبي ﷺ أنهم يسمعون خفق نعال المشيِّعين وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام. [الروح ٤٥/١]
٥٢- هل ينتفع المرء في الآخرة بسعي غيره؟
قال ابن القيم - رحمه الله -:
وقالت طائفة أخرى وهو جواب أبى الوفاء بن عقيل، قال: الجواب الجيد عندي أن يقال الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد ونكح الأزواج وأسدى الخير وتودَّد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات وكان ذلك أثر سعيه كما قال ﷺ: ((إن أطيب ما أكل الرجل من کسبه وإنّ ولده من کسبه)) ويدل عليه قوله في الحديث الآخر ((إذا مات العبد: انقطع عمله إلا من ثلاث: علمٌ يُنتفع به مِن بعده، وصدقةُ جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له)) ومن هنا قول الشافعي إذا بذل له ولده طاعة الحج کان ذلك سبباً لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة بخلاف بذل الأجنبي.
وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام فإن العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تُضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفاً لمشاركة غيره له في الصلاة فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي ﷺ ((المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدَّ بعضه بعضا وشبك بين أصابعه)) ومعلومٌ أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإِسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلٌّ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم، وقد أخبر الله - سبحانه - عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم وأخبر عن دعاء رسله
150