Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
يناسبه، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه. والقدر يكون علمياً، ويكون عينياً، فالأول هو التقدير العلمي، وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه، ويفعله، فيجعل له قدراً، ومن هذا تقدیر الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه، فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا، والمقصود أن كل موجد فله قدر والعباد لا يقدرون الخالق قدره والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك - سبحانه- إلا في حقهم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من المشركين واليهود، وغيرهم وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ولم يقل وما قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره - سبحانه - فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقراراً ولا عبودية، وذلك جحود وإنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل، فشبهات منکري الرسالة ترجع إلى ذلك: أما إنكار علمه تعالى، أو إنكار قدرته، أو إنكار كلامه، فمن أقرَّ بما أرسل به رسله وأنه عالم به متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإِرسال لا يليق بحكمته تركه فقد قدره حق قدره من هذا الوجه إن لم يقدره حق قدره مطلقاً، وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُّونَ﴾ [الزمر: ٥٤]، إلى قوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، [الزمر: ٥٩] إلى قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، فكان هذا رداً على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته كما كان ذلك ردا على منكري كتبه ورسله، وهذان أصلا الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ، وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير العالم وتبديله ما يبطل
78