Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد، أئمة هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي، وقال تعالى في آية الحج ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٣-٧٥]، فما قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذباباً واحداً وإن سلبه الذباب شيئاً ما عليه من مخلوق وغيره لم يقدر على استنقاذه منه ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده فكيف يعبد مَن دون من له القوة كلها والعزة كلها، ولما كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له، قال كثير من المفسرين في معنى ذلك: ما عظموه حق عظمته وقال بعضهم: ما عرفوه حق معرفته، وقال بعضهم: ما عبدوه حق عبادته، وقال آخرون: ما وصفوه حق صفته ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف، فإن التعظيم له - سبحانه- والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك وإن كانوا لا يقدرونه قدره، ولا يقدره أحد من العباد قدره، فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلاً عن أن يقبض بهما شيئاً، فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له، وللجهمية والمعطلة تفاة الصفات من هذا الذم أوفر نصيب، وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذَنوبٌ مثل ذنوب أصحابهم وأكثر، وقد شرع الله - سبحانه - لعباده ذكر هذين الاسمين: العليّ العظيمّ في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبي ﷺ: ((اجعلوها في ركوعكم))، فلما نزلت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: ((اجعلوها في سجودكم)) وهو - سبحانه - كثيراً ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين كقوله ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله ﴿هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] يثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته، فالعلو رفعته والعظمة عظمة قدره ذاتاً ووصفاً، وعند الجهمية ليس له علو ولا عظمة إلا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره. [الصواعق المرسلة ١٣٥٩/٤]
79