113

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
قوله: (حِيْنَ شَاءَ) في الموضعين ليس لوقت واحد، فإنَّ نومَ القوم لا يتفق غالبًا في وقت واحد، بل يتتابعون فيكون حين الأولى جزأ من أحيان متعددة.
قوله: (قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بالصَّلَاةِ) قال شيخنا: كذا هو بتشديد ذال أذِّن بالموحدة فيهما، والكُشْمِيهَني: <فآذن> بالمد وحذف الموحدة من النَّاس، وآذن معناه أعلم، وسيأتي ما فيه بعد. انتهى.
قوله: (فَتَوَضَّأَ) أي النَّبِيُّ ﷺ، زاد أبو نُعَيم في «المستخرج»: «فتوضأَ الناسُ».
قوله: (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ) وفي رواية المصنِّف في التوحيد من طريق هشيم عن حصين فقضوا حوائجهم، فتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس، وهو أبين سياقًا ونحوه، ولأبي داود من طريق خالد عن حصين ويستفاد منه أن تأخير الصَّلاة إلى أن طلعت الشَّمس وارتفعت، كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم لا لخروج وقت الكراهة.
قوله: (وابياضَّت) على وزن افعالَّ بتشديد اللَّام، مثل احمارَّ وانهارَّ من الابيضاض وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة، يقال: ابيضَّ الشيء اذا صار ذا بياض، ثمَّ اذا أرادوا المبالغة يثقِّلوه إلى باب الإفعلال، فيقولون ابيياض، وكذلك احمرَّ واحمارّ، قال شيخنا: وقيل إنَّما يقال ذلك في كلِّ لون بين لونين فأمَّا الخالص من البياض فإنَّما يقال له أبيض. قال العَيني: هذا القول صادر ممن ليس له ذوق في علم الصرف، ولا اطِّلاع فيه. انتهى. قلت: شيخنا لم يقله بل ساقه بصيغة التضعيف. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى) زاد أبو داود بالنَّاس، وفي الحديث من الفوائد جواز التماس الأتباع ما يتعلَّق بمصالحهم الدنيوية وغيرها، لكن بصيغة العرض لا بصيغة الاعتراض، وأنَّ على الإمام أن يراعي المصالح الدينيَّة والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه، وجواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمَّة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر شائع، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام، وتوجَّهت المطالبة على بلال بذلك تنبيهًا له على اجتناب الدعوى، والثقة بالنفس وحسن الظنِّ بها، لا سيَّما في مظان الغلبة وسلب الاختيار، وإنَّما بادر بلال إلى قوله: (أَنَا أُوْقِظُكُمْ) اتِّباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان، وفيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات والسرايا، وفيه الردُّ على منكري القدر، وإنَّه لا دافع في الكون إلَّا بقدر، وفيه الأذان للفائتة، ولأجله ترجم البخاري للباب.
واختلف العلماء فيه فقال العَيني: قال أصحابنا - أي الحنفيَّة -: يُؤَذَّنُ للفائتة ويقيم، واحتجُّوا في ذلك بحديث عِمْران بن حُصَين رواه أبو داود وغيره وفيه: «ثمَّ أمَرَ مؤذِّنًا فأذَّن فصلَّى ركعتين قبلَ الفجرِ، ثمَّ أقامَ ثمَّ صلَّى الفَجْرَ»، وبه قال الشَّافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وإن فاتته صلوات أذَّن للأولى وأقام، وهو مخيَّر في الباقي، إن شاء أذَّن وأقام لكلِّ صلاة من الفوائت، وإن شاء اقتصر على الإقامة، لما روى التِّرْمِذي عن ابن مسعود: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فاتته يوم الخندقِ أربع صلوات حتَّى ذهبَ منَ اللَّيل ما شاءَ اللهُ، فأمرَ بلالًا فأذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظهر، ثمَّ أقام
فصلَّى العصر، ثمَّ أقام فصلَّى المغرب، ثمَّ أقامَ فصلَّى العشاء»، فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك فمن أين التخيير؟، قال العَيني: جاء في روايةٍ قضاهنَّ ﵇ بأذان وإقامة، وفي روايةٍ بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكلِّ واحدة من البواقي، ولهذا الاختلاف خيرنا في ذلك؛ وفي «التحفة» وروي في غير رواية الأصول عن محمَّد بن الحسن: إذا فاتته صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة والباقي بالإقامة دون الأذان، وقال الشافعي: في الجديد يقيم لهنَّ ولا يؤذَّن، وفي القديم: يؤذِّن للأولى ويقيم ويقتصر في البواقي على الإقامة، وقال النَّوَوي في «شرح المهذب»: يقيم لكلِّ واحدة بلا خلاف ولا يؤذَّن لغير الأولى منهنَّ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان، أصحُّها يؤذَّن؛ ولا يغترَّ بتصحيح الرافعي منع الأذان، والأذان للأولى مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال ابن بطَّال: لم يذكر في الأولى عن مالك والشافعي، وقال الثَّوْري والأوزاعي وإِسْحاق: لا يؤذَّن لفائتة. انتهى.
قال شيخنا: وقال الشَّافعي في الجديد: لا يؤذَّن لها، والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذَّن لصحَّة الحديث، وحمل الأذان هنا على الإقامة ضعيف، فإنه عقب الأذان بالوضوء، ثمَّ بارتفاع الشَّمس، فلو كان المراد به الإقامة لما أخَّر الصَّلاة عنها، نعم يمكن حمله على المعنى اللغوي وهو محض الإعلام، ولا سيَّما على رواية الكُشمِيهَني، وقد روى أبو داود وابن المنذر في حديث عِمْران بن حُصَين في نحو هذه القصة، فأمر بلالًا فأذَّن فصلِّينا ركعتين ثمَّ أمره فأقام فصلَّى الغداة، وسيأتي الكلام على الحديث الذي احتجَّ به، من لم يرَ التأذين في الباب الذي بعد هذا. انتهى.
وفيه دليل على أن قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وهو الصحيح لكن يستحبُّ قضاؤها على الفور، وحكى البَغَوي وجهًا عن الشَّافعي إنَّه على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وقيل له التأخير كما في الأوَّل.
قال العَيني: وفيه أنَّ الفوائت لا تُقضى في الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها، واختلف أصحابنا أي الحنفيَّة في قدر الوقت الذي يُباح فيه الصَّلاة بعد الطلوع، قال في الأصل حتَّى ترتفع الشَّمس قدر رمح أو رمحين، وقال أبو بكر محمَّد بن الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشَّمس لا تباح فيه الصَّلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. انتهى. قلت: هذا على قاعدة مذهبه، وقدم البحث معه في ذلك. انتهى.
وفيه دليل على جواز قضاء الفائتة بالجماعة، واحتجَّ المُهَلَّب به على أنَّ الصَّلاة الوسطى هي صلاة الصُّبح، لأنَّه ﵇ لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها، وفيه نظر لا يخفى، قلت: لأنَّ أمره بمراقبة وقتها ليس لذلك، إنَّما هو لأجل إنَّه يُوقظ للصلاة. انتهى. قال ويدلُّ على إنَّها هي المأمور بالمحافظة عليها، إنَّه ﷺ لم تفته صلاة غيرها

1 / 113