Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
باعتبار المهادنة.
قوله: (فَفَرَّقَنَا) الفاء فيه فاء الفصيحة، أي فجاؤوا إلى المدينة ففرَّقنا من التفريق، أي جعل كلَّ رجل مع اثني عشر فرقة، وفي مسلم: فعرَّفنا -بالعين والرَّاء المشدَّدة- أي جعلنا عرفاء نقباء على قومهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض الرواية فقَرّينا من القِرى بمعنى الضيافة.
قوله: (اثْنَا عَشَرَ) وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم: اثني عشر، وكلاهما صحيح، الأوَّل على لغة من جعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثلاثة، وقال السَّفَاقِسي: لعلَّ ضبطه ففُرِّقنا بضمِّ الفاء الثانية وبرفع اثنا عشر على أنَّه مبتدأ، وخبره مع كلِّ رجل منهم أناس.
قوله: (واللهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة، أي أناس الله أعلم عددهم.
قوله: (كَمْ مَعَ كلِّ رَجَلٍ) مميز كم محذوف، أي كم رجل مع كلِّ رجل.
قوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من أبي عثمان، وفاعل قال عبد الرحمن ابن أبي بكر ﵄.
فيه أنَّ للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرِّقهم على السعة بقدر ما [لا] (^١) يجحف بهم، قال التَّيْمي: وقال كثير من العلماء: إنَّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، وإنَّما جعل رسول الله ﷺ على الاثنين واحدًا، وعلى الأربعة واحدًا، وعلى الخمسة واحدًا، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للاثنين مع الثالث، لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به، والحاصل فيه أنَّ تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدَّة الحال، وزاد ﵇ واحدًا واحدًا رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد، والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.
وفيه فضيلة الإيثار والمواساة، وأنَّه عند كثرة الأضياف يوزِّعهم الإمام على أهل المحلَّة، ويعطي لكلِّ واحد منهم ما يعلم أنَّه يحتمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ فِعْلَه في عام الرمادة، على أهل كلِّ بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤٌ عن نصف قوَّته، وكانت الضرورة ذلك العام، وقد تأوَّل سُفْيان بن عُيَيْنَة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه أنَّ المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجُّه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: في المال حقٌّ سوى الزكاة، وورد في التِّرْمِذي مرفوعًا.
وفيه بيان ما كان عليه الشَّارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإنَّ عياله ﵇ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذه اللَّيلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر ﵁ بثلث طعامه أو أكثر.
وفيه الأكل عند الرئيس وإن كان عنده ضيف، إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم. وفيه أنَّ الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل. وفيه أنَّ الأضياف ينبغي لهم أن يتأدَّبوا وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه. وفيه الأكل من طعام ظهرت فيه البركة، وفيه إهداء ما يُرجى بركته لأهل الفضل، وفيه أنَّ آيات النَّبِيِّ ﷺ قد تظهر على يد غيره، وفيه ما كان عليه أبو بكر من الحبِّ للنَّبِيِّ ﷺ
(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.
والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف، وفيه كرامة ظاهرة للصِّدِّيق ﵁.
وفيه إثبات كرامات الأولياء ﵃، وهو مذهب أهل [السنَّة] (^١)، وفيه جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم، وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه، وفيه جواز الدعاء بالجذع والسبِّ على الأولاد عند التقصير، وفيه ترك الجماعة لعذر، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها، وفيه جواز القسم بغير [الله] (^٢).
وفيه حمل المضيف المشقَّة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة، وتطييب قلوبهم، وفيه جواز ادخار الطعام لغد، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرًا منها، وفيه أنَّ الرَّاوي إذا شكَّ يجب أن ينبِّه عليه، كما قال: «لا أدري هلْ قالَ وامرأتي»، ومثل لفظة: «أو كما قال» ونحوها.
وفيه أنَّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنَّ امرأة أبي بكر ﵁ لما رأت أن الضيفان تأخَّروا عن الأكل تألَّمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخُّره مثل ذلك، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذِن في ذلك، لإنكار الصِّدِّيق عليهم.
قلت: وفيه أنَّ الأضياف إذا امتنعوا عن الأكل أدبًا مع صاحب المنزل، لا يلحُّ الخادم وأهل الدَّار عليهم في ذلك، وفيه أنَّ المضيف إذا عزم على الأضياف، يذهب معهم إلى المنزل إلَّا أن يكون مشغولًا بأمر يتعلَّق بالسلطان أو شيخه ونحو ذلك، لأنَّ الياء في قوله (فليذهب) تقال للمصاحبة، وفيه أنَّ الولي ليس بمعصوم، وفيه ذكر ما يقع للكبير من التقصير. انتهى.
قال شيخنا خاتمة: اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثًا، المعلَّق من ذلك ستة وثلاثون حديثًا، والباقي موصول، الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا، والمكرر منها فيه وفيما تقدَّم تسعة وستون حديثًا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا، وهي حديث أَنَس في السُّجود على الظهائر، وقد أخرج معناه وحديثه: (ما أعرف شيئًا)، وحديثه في المعنى: هذه الصَّلاة وقد ضعف، وحديث ابن عمر: (أبردوا)، وكذا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم)، وحديث أبي موسى: (مثل المسلمين واليهود)، وحديث أنس: (كنا نصلِّي العصر)، وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مغفل: (لا تغلبنكم الأعراب)، وحديث ابن عبَّاس: (لولا أن أشقَّ على أمَّتي)، وحديث سهل بن سعد: (كنت أتسحَّر)، وحديث معاوية: (في الركعتين بعد العصر)، وحديث أبي قتادة: (في النَّوم عن الصبح)، على أن مسلمًا أخرج أصل الحديث من وجه آخر، لكن بينَّا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله أعلم، وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة، والله ﷾ أعلم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
كِتَابُ الأَذَانِ
أي هذا كتاب في بيان أحكام الأذان، وفي بعض النُّسَخ بعد البسملة: أبواب الأذان،
(^١) في الأصل بياض مقدار كلمة، وأضيفت [السنة] من عمدة القاري.
(^٢) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.
1 / 124