125

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

قلت: وهو الذي شرح عليه شيخنا، ولم يذكر كتاب. انتهى. وسقطت البسملة في رواية القابسي وغيره.
والأذان لغةً: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] قال شيخنا: واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين، وهو الاستماع، وقال العَيني: من أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا، مثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا وكلامًا، فالأذان والكلام اسم المصدر القياسي، وقال الهروي: الأذان والأذين والتأذين بمعنى، وقيل: الأذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل، وأصله من الأذن، كأنَّه يلقي في آذان النَّاس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
وفي الشريعة: الأذان إعلام مخصوص، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. ويقال: الإعلام بوقت الصَّلاة الَّتي عيَّنها الشَّارع مثناة، وقال القُرْطُبي وغيره: الأذان على قلَّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثمَّ بإثبات الرسالة بمحمَّد ﷺ، ثمَّ دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشَّهادة بالرسالة، لأنَّها لا تعرف إلَّا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان: الإعلام بدخول الوقت، والدُّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسيره لكلِّ أحد في كلِّ زمان ومكان.
واختلف له أيُّما أفضل الأذان أو الإقامة؟ ثالثها: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشَّافعي ما يومئ إليه، واختُلِفَ أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البَيْهَقي من حديث جابر مرفوعًا: النَّهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصحَّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت، رواه سعيد بن مَنْصور وغيره، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: مستحبٌّ وصححه النَّوَوي ﵁.
(بَابُ بِدْءِ الأَذَانِ) أي هذا باب في بيان ابتداء الأذان، وليس في رواية أبي ذرٍّ لفظ باب.
قوله: (وَقُوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩])
قوله: (وَقَوْلِ اللهِ) مجرور لأنَّه عطف على لفظ بدء، وقوله الثَّاني عطف عليه، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك، أو لإرادة ما بوَّب له، وهو بدء الأذان، وإن ذلك كان بالمدينة، والآيتان المذكورتان مدنيتان، وقد ذكر أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: لقد أبدعت يا محمَّد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] الآية، واختلف في السنة الَّتي فُرِضَ فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل بل كان في السنة الثانية، ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ فَرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ.
تنبيه: الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى وباللَّام، أنَّ صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى: معنى الانتهاء، وفي الثانية: معنى الاختصاص، لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض قاله الكِرْماني، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى
أو العكس، والله أعلم.
قال العَيني: أما الآية الأولى ففي سورة المائدة، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا، إشارة إلى أن بدء الأذان بالآية المذكورة كما ذكرنا، وعن هذا قال الزمخشري في «تفسيره» قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده.
قوله: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]) يعني إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة، وإنَّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين، لأنَّ المؤذِّن يؤذِّن لهم ويناديهم فأضاف إليهم، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الكفَّار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم واستهزؤوا بذلك.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الاستهزاء، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُوْنَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني لا يعلمون ثوابهم، وقال أسباط عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهَّد أنَّ محمَّدًا رسول الله قال: حُرق الكاذب، فدخلت خادمته ليلة من اللَّيالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة فقوله: (﴿نُوْدِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]) أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، ذكره النَّسَفي في «تفسيره».
وحديث ابن عُمَر المذكور في هذا الباب، ظاهر في أنَّ الأذان إنَّما شرع بعد الهجرة، فإنَّه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: (يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلُّ على ذلك، كما أخرجه ابن خُزَيمَة وابن حبَّان من طريق محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم التَّيمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: «فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ النِّدَاءَ» فذكر الرؤيا وفيها صيغة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية قد قامت الصَّلاة، وفي آخره قوله ﷺ: (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ [مع] (^١) بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ).
وفيه مجيء عُمَر ﵁، وقوله: إنَّه رأى مثل ذلك، وقد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان، حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاري لأنَّه على غير شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خُزَيمَة عن الذهلي إنَّه ليس في طرقه أصحَّ من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري عن سعيد بن المُسَيَّب مرسلًا، من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. ووَقَعَ في «الأوسط» للطبراني: أنَّ أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووَقَعَ في «الوسيط» للغزالي: أنَّه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في «شرح التنبيه»: أربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، ونقل مُغُلْطاي: أنَّ في بعض كتب الفقهاء أنَّه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلَّا لعبد الله بن زيد، وقصة عُمَر جاءت في بعض طرقه، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسندٍ واهٍ عن... (^٢)، قال: «أوَّل مَنْ أذَّن بالصلاةِ جبريل في السَّماء الدنيا، فسمعه عُمَر وبلال، فسبق عُمَر بلالًا، فأخبر النَّبِيَّ ﷺ، ثمَّ جاء بلال فقال له: سبقك بها عمر».
فائدتان: وردت أحاديث تدلُّ على أنَّ الأذان شُرع بمكَّة قبل الهجرة، منها

(^١) ليس في الأصل، وأضيفت من فتح الباري.
(^٢) في الأصل بياض بمقدار كلمتين.

1 / 125