Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
المكسورة، أي حتَّى إذا أقيم الصَّلاة، والتثويب ههنا الإقامة، كما ذهب إليه الجمهور وبذلك جزم أبو عَوانة في «صحيحه» والخطَّابي والبَيْهَقي وغيرهم، والعامَّة لا تعرف التثويب إلَّا قول المؤذِّن في صلاة الفجر: الصَّلاة خير من النَّوم حسب، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وأصله أن يلوِّح الرجل لصاحبه بثوبه فيدبره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو، ثمَّ كثر استعماله في كلِّ إعلام يجهر به صوت، وإنما سمِّيت الإقامة: تثويبًا، لأنَّه عود للنداء، من: ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، وقال القُرْطُبي: ثوِّب بالصَّلاة أي أقام لها، وأصله إنَّه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكلُّ مردِّد صوتًا فهو مثوِّب، ويدلُّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: «فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ» وزَعَمَ بعض الكوفيين أنَّ المراد بالتثويب قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصَّلاة، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وزَعَمَ إنَّه تفرَّد به، لكن في «سنن أبي داود» عن ابن عُمَر: إنَّه كره التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلُّ على أن له سلفًا في الجملة، ويحتمل أن يكون الذي تفرَّد به القول الخاص.
قوله: (حَتَّى يَخْطُرَ) -بضمِّ الطاء وكسرها- وقال عياض: ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرُّواة بالضمِّ، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، من قولهم: خطر الفحل بذَنَبِه إذا حرَّكه يضرب به فخذيه، وأمَّا الضمُّ، فمن المرور أي يدنو منه فيما بينه وبين قبلته فيشغله عمَّا هو فيه، وبهذا فسَّره الشُرَّاح، وبالأوَّل فسَّره الخليل، وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. قال الهجري في «نوادره»: يخْطِر بالكسر في كلِّ شيء، وبالضمِّ ضعيف.
قوله: (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، وكذا وَقَعَ للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق، وبهذا التفسير يحصل الجواب عمَّا قيل، كيف يتصوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يكون تمثيلًا لغاية القرب منه.
قوله: (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا) هكذا هو بلا واو العطف في رواية الأكثرين، ووَقَعَ في رواية كريمة بواو العطف: <اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا> في رواية مسلم وللبخاري أيضًا في صلاة السهو، وزاد مسلم من رواية عبد ربُّه عن الأعرج: «فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ».
قوله: (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيءٍ لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصَّلاة، وفي رواية لمسلم: «لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْل» قال شيخنا: ومن ثمَّ استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه إنَّه دفن مالًا، ثمَّ لم يهتد لمكانه، أن يصلِّي ويحرص أن لا يُحَدِّث نفسه بشيء من أمر الدُّنْيا ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خصَّه بما يعلم دون ما لا يعلم، لأنَّه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر إنَّه أعم من ذلك فيذكره لما سبق له به علم، ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدُّنْيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكُّر في معاني الآيات الَّتي يتلوها؟
لا يبعد ذلك، لأنَّ غرضه تقريب خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان. انتهى.
قوله: (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء أي حتَّى يصير الرجل ما يدري كم صلَّى من الركعات، ورواية الجمهور بالظاء المشالة المفتوحة ومعناه في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ [النحل: ٥٨] وقيل: معناه يبقى ويدوم، ووَقَعَ عند الأَصِيلي: يضِل، بالضاد المعجمة المكسورة أي ينسى ويذهب وهمه ويسهو، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال ابن قرقول: وحكى الداودي إنَّه روي: يضِلُّ ويضَلُّ، من الضلال وهو الحيرة. قال: والكسر في المستقبل أشهر، وقال القُشَيري: ولو روى هذا الرجل حتَّى يُضِلَّ الرجل لكان وجهًا صحيحًا، يريد: حتَّى يُضِلَّ الشَّيطان الرجل عن درايته كمْ صلَّى؟ قال: ولا أعلم أحدًا رواه، لكنَّه لو روي لكان وجهًا صحيحًا في المعنى، غير خارج عن مُرَاده ﵇، وفي رواية للبخاري في صلاة السَّهو: (إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى) وكذا في رواية أبي داود. وكلمة: (إن) بالكسر نافية يعني: ما يدري، قال القاضي عياض: ورُوي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البرِّ، وادَّعى إنَّها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأَصِيلي في كتاب البخاري والصحيح الكسر، قال العَيني: الفتح إنَّما يتوجَّه على رواية: يضِلُّ، بالضاد فيكون: (أن) مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، أي يجهل درايته وينسى عدد ركعاته. فإن قلت: أثبت له الضراط في إدباره الأوَّل ولم يثبت في الثاني؟ قال العَيني: لأنَّ الشدة في الأوَّل تلحقه على سبيل الغفلة فتكون أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأوَّل عن ذكره في الثاني. انتهى.
فيه أنَّ الأذان له فضل عظيم حتَّى يلحق الشَّيطان منه أمر عظيم، كما ذكرناه، وكذلك المؤذِّن له أجر عظيم، إذا كان أذانه احتسابًا لله تعالى، وفي صحيحي ابن خُزَيمَة وابن حبَّان: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَسْتَغْفِرْ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلاة، يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا» وعند أحمد ﵀: «وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ» وعند أبي الشيخ: «كُلُّ مَدَرَةٍ وَصَخْرَةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ» وفي كتاب «الفضائل» لحُمَيد بن زنجويه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يُكْتَبُ لِلْمُؤَذّن عِنْد أَذَانِهِ أَرْبَعُونَ وَمِائَة حَسَنَة، وَعندَ الإِقامَة عشرُون وَمِائَة حَسَنَة» وفي كتاب أبي القاسم الجوزي عن أبي سعيد وغيره: «ثَلَاثَةٌ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى كُثُبٍ مِنْ مِسْكٍ أَسْوَد، لَا يَهُولهُم فَزَعً وَلَا يَنَالُهُم حِسَاب» الحديث وفيه: «وَرَجُلٌ أَذَّنَ وَدَعَا إِلَى اللهِ ﷿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ» وعند السرَّاج عن أبي هريرة بسند جيد: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاس أَعْنَاقًا، لِقَوْلِهِم: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ» وفي لفظ: «يُعْرَفُونَ بِطُولِ أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ» خرَّجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه، وعند أبي الشيخ: «مَن أَذَّنَ خَمْسَ صلواتٍ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه» وفي كتاب «الصحابة» لأبي موسى
1 / 136