قال: أقبل رجل إلى النبي ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: (فهل من والديك أحد حي؟ (قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟ (قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما «^١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه «^٢).
ولهذا الفضل الكبير الذي في برِّ الوالدين ألقى الصحابة ﵃ جل اهتمامهم في دعوة آبائهم، كيف لا وليس هناك برٌّ أعظم من دعوتهم لإخراجهم من الشرك وإدخالهم الإسلام، فقد حرصوا ﵃ على دعوة والديهم، بل إن بعضهم أول من دعا كان والديه، وقد كان لهم في دعوة والديهم منهج خاص لا يكون إلا للوالدين، الخضوع لهم مع الرحمة، وبيان الحق، وإظهار النصح، ولأن الوالدين عادةً يثقون في أبنائهم من جانب حب الخير لهم، فإن هذا الإحساس قد ساعد في دعوتهم من أبنائهم، ولو نظرنا إلى مواقف الصحابة في دعوتهم لوالديهم أو أحدهما لاستخرجنا منها دروسًا وفوائد كثيرة في دعوة الآباء من أبنائهم، ومن هذه الفوائد ما يأتي:
أ) عدم التصادم معهم وأذيتهم:
ومن ذلك ما قام به معاذ بن عمرو بن الجموح مع والده عمرو بن الجموح ﵄ عندما كان يأخذ صنمه ويلقيه في حفرة فيها عذر الناس دون أن يراه والده،
(^١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأيهما أحق به، رقم ٦٥٠٧، ص ١١١٨.
(^٢) سنن ابن ماجه، أبواب الأدب، باب بر الوالدين، رقم ٣٦٥٩، ص ٢٥٢. حديث صحيح (الألباني، صحيح الجامع، رقم ٧٦٢٢، ٢/ ١٢٦٢).