10

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

كفاكم من عظيم القدر أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له

ثم قدم المدينة وعمره ثلاث عشرة سنة ، فلازم مالكا فأكرمه وعامله لنسبه وعلمه وفهمه وأدبه وعقله بما هو اللائق بهما . وكان حفظ الموطأ بمكة لما أراد الرحلة إلى مالك حين سمع أنه إمام المسلمين ، وكان مالك يستزيده من قراءته لإعجابه بها حتى قرأه عليه في أيام يسيرة . وقال له مرة لما تفرس فيه النجابة والإمامة : اتق الله إنه سيكون لك شأن ، وأخرى : إن الله قد ألقى عليك نورا فلا تطفئه بالمعصية ، قال : فما ارتكبت كبيرة قط [ ثم ] بعد وفاة مالك رحل من المدينة إلى اليمن ، وولي بها القضاء ثم رحل إلى العراق وجد في التحصيل ، وناظر محمد بن الحسن وغيره ، ونشر علم الحديث وشاع ذكره وفضله إلى أن ملأ البقاع والأسماع . قال محمد بن الحسن في مدح الشافعي : إنه استعار مني كتاب الأوسط لأبي حنيفة ، وحفظه في يوم وليلة . ولما صنف كتاب الرسالة أعجب به أهل عصره ، وأجمعوا على استحسانه وأنه من الخوارق ، حتى قال المزني : ( ( قرأته خمسمائة مرة ما من مرة إلا وقد استفدت منه شيئا لم أكن غرفته ) ) ، وكان أحمد يدعو له في صلاته لما رأى اهتمامه بنصر السنة . وصنف في العراق كتابه القديم المسمى بالحجة ، ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه الجديدة بها ، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر مصنفا ، وسار ذكرها في البلدان وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه ، وكذا أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم على باب الربيع تسعمخائة راحلة . وابتكر أصول الفقه وكتاب القسامة وكتاب الجزية وقتال أهل البغي ، وكان حجة في اللغة والنحو ، وأذن له مسم بن خالد مفتي مكة في الإفتاء بها وعمره خمس عشرة سنة ، وربما أوقد له المصباح في الليلة ثلاثين مرة ولم يبقه دائم الوقود . قال ابن أخته من أمه : ( ( لأن الظلمة أجلى للقلوب ) ) ، وكان يقول : ( ( إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي الحائط ) ) . وانفرد بالإعراض على التمسك بالحديث الضعيف في غير الفضائل . | ومن كلامه الدال على إخلاصه : ( ( وددت أن كل ما تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني قط ، ووددت إذا [ ما ] ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه ) ) ، ومن حكمه البالغة : ( ( طلب العلم أفضل من صلاة الناقلة ، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم - أي مع العمل - ما أفلح من العلم إلا من طلبه في الذلة ، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعز علي ، لا يتعلم أحد هذا العلم بالملك وعزة النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش أفلح ، تفقه قبل أن ترأس ، فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه ، زينه العلم الورع والحلم ، لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه ، وزهدهم فيما رغبهم الله فيه ، فقر العلماء فقر اختيار ، وفقر الجهال فقر اضطرار ، الناس في غقلة من سورة ^ ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) [ العصر 1 - 2 ] ، من لم تعزه التقوى فلا تقوى له ، ما فرغت من العلم قط ، طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد ، من غلبته سدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها ، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع ، لا يعرف الرباء إلا المخلصون ، لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك لله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك الله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس صرف للزهاد ، سياسة الناس أشد من سياسة الدواب ، العاقل من عقله عقله عن كل مذموم ، ومن نم لك بن بك ، من وعظ أخاه سرا فقد نصحه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه ، التواضع من أخلاق الكرام ، والتكبر من شيم اللئام ، أربع الناس قدرا من لا يرى قدره ، الشفاعات زكاة المروآت ، من ولي القضاء فلم يفتقر فهو لص ، لا بأس للفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به ، مداراة الأحمق غاية لا تدرك ، الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء ، والانفراد عنهم مكسبة للعداوة ، فكن بين المنقبض والمنبسط ، لأن يبتلى المرء بكل ذنب ما عدا الشرك خير من أن ينظر في الكلام ، فإني والله أطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظنته قط ) ) . | وكان يكتب ثلث الليل ثم يصلي ثلثة ثم ينام ثلثة ، ويختم كل يوم ختمة ، أقول : لعله في أيام رمضان وقال : ( ( ما كذبت قط ولا حلقت بالله صادقا ولا كاذبا ، وما تركت غسل الجمعة - قط ، وما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي ) ) ، قال الكرابيسي : سمعته يقول : ( ( يكره ) ) جل أن يقول قال الرسول لكن يقول قال رسول الله ) ) ، وكان له اليد الطولي في السخاء ؛ قدم سن صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فما برح من مجلس سلام الناس عليه حتى فرقها كلها . وسقط سوطه فناوله إنسان فأمؤر غلامه بإعطائه ما معه من الدنانير فكانت سبعة أو تسعة ، وانقطع شسع نعله فأصلحه له رجل فقال : يا ربيع أمكع من نففتنا شيء ، قلت : سبعة دنانير ، قال : ادفعها إليه ، وقال المزني : ما رأيت أكرم منه خرجت معه ليلة العيد من المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره ، فأتاه غلام بكيس وقال : مولاي يقرئك السلام ويقول لك : خذ هذا الكيس فإنه لك هدية وعينا المنة ، فأخذه منه فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله ولدت امرأتي الساعة وليس عندي شيء ، فدفع إليه الكيس ، وصعد وليس معه شيء . وكان يأكل شهوة أصحابه ، وركب حماره واحمد يمشي بجانبه ويذاكره فبلغ ذلك يحيى بن معين فعتب أحمد ، فأرسل له : ( ( ولو كنت بالجانب الآخر من حماره لكان خيرا لك ) ) . وكانت له المعرفة التامة بالرمي حتى يصيب عشرة من عشرة ، وبالفروسية حتى يأخذ بأذنه وأذن الفرس في شدة عدوه [ وروي أنه مسع قارئا يقرأ : @QB@ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون @QE@ [ المرسلات - 36 ] فتغير الشافعي وراتعد وخر مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : ( ( اللهم إني أعوذ بك من مقام الكذابين ، ومن إعراض الجاهلين ، هب لي من رحمتك وجللني بسترك ، واعف عني بكرمك ، ولا تكلني إلى غيرك ، ولا تقنطني من خيرك ) ) ، ومن كلامه : ( ( لو لم يكن العلماء أولياء فليس الله ولي ، ما اتخذ الله وليا جاهلا ] . قال المزني : دخلت عليه في مرض موته ، فقلت له : كيف أصحبت ، فقال : ( أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولكأس المنية شاربا ، ولسوء أعمالي ملاقيا ، وعلى الله ورادا ، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها ، أو إلى النار فأعزيها ) ) ، ثم بكى وأنشأ يقول :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو عفوك سلما

Page 69