11

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما

توفي آخر يوم من رجب ليلة الخمس ، أو ليلة الجمعة ، وكان قد صلى المغرب سنة أربع ومائتين ، وقبره بقرافه مصر وعاش أربعا وخمسين سنة . | ( وأبي عبد الله أحمد بن حنبل ) وفي نسخة صحيحة [ أحمد بن ] محمد بن حنبل ، فالنسبة الأولى مجازية ( الشيباني ) نسبة إلى قبيلة ، وهو المروزي ثم البغدادي . ولد ببغداد سنة أربع وستين ومائة ، ومات بها سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة . كان إماما في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة ، وبه عرف الصحيح والسقيم والمجروح من المعدل . نشأ ببغداد وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها ، ثم رحل إلى مكة والكوفة والبصرة والمدينة واليمن والشام والجزيرة . وسمع من يزيد بن همام وغيرهم ، وروى عنه أبناه صالح وعبد الله وابن عمه حنبل بن إسحاق ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأبو زرعة وأبو داود السجستاني وخلق كثير إلا أن البخاري لم يذكر في صحيحه عنه إلا حديثا واحدا في آخر كتاب الصدقات تعليقا ، وروى عن أحمد بن الحسن عنه . فضاسله كثيرة ومناقبة شهيرة ، وهو أحد المجتهدين المعمول بقوله ورأية ومذهبه في كثير من البلاد . قال أبو زرعة : ( ( كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث ) ) ، فقيل له : ما يدريك ، قال : ذاكرته فأخذت عليه الأبواب . وقال أيضا ( ( حزرت كتبه اثني عشر حملا أو عدلا كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه ) ) ، وقال أبو داود السجساني : ( ( كأن مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا ) ) ، وقال محمد بن موسى : ( ( حمل إلى الحسن بن عبد العزيز ميراثه من مصر مائة ألف دينار ، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار ، فقال : يا أبا عبد الله هذا من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عائلتك ، قال : لا حاجة لي فيها أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها شيئا ) ) . وقال عبد الله بن أحمد : كنت أسمع أبي كثيرا يقول في دبر صلاته : ( ( اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك ) ) . وقال ميمون بن الأصبغ : كنت ببغداد فسمت ضجة فقلت : ما هذا ، فقالوا : أحمد بن حنبل يمتحن ، فدخلت فلما ضرب سوطأ قال : بسم الله ، فلما ضرب الثاني : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فلما ضرب الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق ، فلما ضرب الرابع قال : @QB@ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا @QE@ [ التوبة - 51 ] فضرب تسعة وعشرين سوطأ وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت ، فنزل السروال إلى عانته ، فرمى أحمد طرفه إلى السماء فحرك شفيته ، فما كان بأسرع من ارتقاء السروال ولم ينزل ، فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت : يا أبا عبد الله رأيتك تحرك سفتيك فأي شيء قلت ، قال : قلت : ( ( اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترا ) ) . وقال أحمد بن محمد الكندي : ( ( رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت : ما صنع الله بك ، قال : غفر لي ، ثم قال : يا أحمد ضربت في ، قال : قلت : نعم يا رب ، قال : يا أحمد هذا وجهي فانظر إليه فقد أبحتك النظر إليه ) ) . روي أنه أرسل الشافعي إلى بغداد يطلب قميصه الذي ضرب فيه فأرسله إليه ، فغسله الشافعي وشرب ماءه ، وهذا من أجل مناقبه . قال ولده صالح : إنه حج خمس حجج ثلاثا منها راجلا ، وكثيرا ما كان يتأدم بالخل ، قال أبو زرعة : بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة عليه ، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف ، وأسلم يوم وفاته عشرون ألفا . وقبره ظاهر ببغداد يزار ويتبرك به ، وكشف لما دفن بجنبه بعض الأشراف بعد موته بمائتين وثلاثين سنة فوجد كفنه صحيحا لم يبل وجثته لم تتغير . | ( تنبيه ) | اعترض على ابن الصلاح تفضيل كتب السنن على مسند أحمد فإنه أكبر المسانيد وأحسنها ، فإنه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به مع كونه اختصره من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا ، وقال : ( ( ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا فيه إلى المسند ، فإن وجدتموه فحسن وإلا فليس بحجة ) ) ، ومن ثم بالغ بعضهم فاطلق الصحة على كل ما فيه . والحق أن فيه أحاديث وإلا فليس بحجة ) ) ، ومن ثم بالغ بعضهم فأطلق الصحة على كل ما فيه . والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعيف من بعض ، حتى إن ابن الجوزي قد أدخل كثيرا منها في موضوعاته ؛ لكن تعقبه في بعضها بعضهم وفي سائرها شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني ، وحقق نفي الوضع عن جميعها كالسنن الأربعة . قال : وليست الأحاديث [ الزائدة ] فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي عليهما . وبالجملة فالسبيل واحد لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن ، لا سيما سنن ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق مما الأمر فيه أشد ، أو بحديث من المسانيد لأن هذه كلها لم يشترط جامعوها الصحة والحسن . وتلك السبيل أن المحتج إن كان أهلا للنقل والتصحيح فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحبط به وإن لم يكن أهلا لذلك ، فإن وجد أهلا لتصحيح أو تحسين قلده ، وإلا فلا يقدم على الاحتجاج فيكون كحاطب ليل ، فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر . | ( وأبي عيسى ) قيل بكره هذه التكينة ( محمد بن عيسى الترمذي ) ، بكسر التاء والميم وبضمهما وبفتح التاء وكسر الميم مع الذال المعجمة نسبة لمدينة قديمة على طرف وحيحون نهر بلج ، الإمام الحجة الأوحد الثقة الحافظ المتقن ؛ أخذ عن البخاري وقتيبة بن سعيد ومحمود بن غيلان ومحمد بن بشار وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى وسفيان بن وكيع وغيرهم ، وأخذ عنه خلق كثير ، وله تصانيف كثيرة في علم الحديث ، منها الشمائل وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأحسنها ترتيبا وأقلها تكرارا ، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع من الصحيح والحسن والغريب ، وفيه جرح وتعديل ، وفي آخره كتاب العلل . وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على وقف [ عليها ] ، ولذا قيل : هو كاف للمجتهد ومغن للمقلد ، بل قال أبو إسماعيل الهروي : هو عندي أنفع من الصحيحين لأن كل أحد يصل للفائدة منه وهما لا يصل إليها منهما إلا العغالم المتبحر ، وقول ابن حزم : إنه مجهول كذب منه ، قال : عرضت هذا الكتاب يعني سننه على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به ومن كان في بيته فإنما في بيته نبي يتكلم . نعم عنده نوع تساهل في التصحيح ولا يضره ، فقد حكم بالحسن مع وجودا الانقطاع في أحاديث من سننه ، وحسن فيها بعض ما انفرد رواته به كما صرح هو به ، فإنه يورد الحديث ثم يقول عقبة : إنه حسن غريب ، أو حسن صحيح غيريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ؛ لكن أجبيب عنه بأنه هذا اصطلاح جديد ولا مشاخه في الإصطلاح ، وقد أطلق الحاكم والخطيب الصحة على جميع ما في سنن الترمذي ، توفي بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين . | وأعلى أسانيده ما يكون واسطتان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وله حديث واحد في سننه بهذا الطريق وهو : ( ( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) ) فإسناده أقرب من إسناد البخاري ومسلم وأبي داود فإن لهم ثلاثيات . وذكر في جامعة بسنده هذا الحديث وهو : ( ( يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ) ) ، ثم قال : وهذا حديث حسن غريب وقد سمعه مني البخاري . | ( أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ) ، بكسر السنن الأولى وتفتح وبكسر الجيم سكون السين الثانية معرب سيستان من نواحي هراة من بلاد خراسان ، ولد سنة ثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين ، وهو الإمام الحافظ الحجة ، سكن البصرة وقدم بغداد مرارا فروى سننه بها ونقله أهلها عنه ، وعرضه على أحمد فاستجاده واستحسنه . سمع أحمد ويحيى بن معين والقعنبي وسليمان بن حرب وقتيبة وخلائق لا يحصون ، وروى عنه النسائي وغيره . قال جمع : ألين الحديث لأبي داود كما ألين الحديث لداود ، وكان يقول : ( ( كتبت عن رسول صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبه ويقاربه ، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث ، أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( إنما الأعمال بالنيات ) ) ، والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( من حسن بإسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ) ، والثالث : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ) ) ، والرابع : ( ( إن الحلال بين والحرام بين ) ) الحديث . | ومن أشعار الشافعي :

عمدة الدين عندنا كلمات

أربع قالهن خير البرية

Page 73