Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
وجاء في طريق : ( بينما نحن عند رسول الله في آخر عمره ) . والحكمة في تأخير مجيئه إلى ما بعد إنزال جميع الأحكام تقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتغبط وتضبط ، وقيل : مجيئه كان في السنة العاشرة قبيل حجة الوداع . وسبب الحديث ما في مسلم أنه قال : سلوني فهابوا أن يسألوه فجاءه جبريل ووقع في رواية ابن منده : ( بينا رسول الله يخطب أي يعظ إذ جاء رجل ) ، وفي رواية للبخاري : ( كان رسول الله يوما بارزا للناس ) ، وفي أخرى لأبي داود : ( كان عليه الصلاة والسلام يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله أن يجعل لنا مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، قال : فبنينا له دكانا أي دكة من طين يجلس عليه وكنا نجلس بجنبه ) ، واستنبط منه القرطبي أنه يسن للعالم الجلوس بمحل مرتفع مختص به إذا احتاج إليه للتعظيم ونحوه . ثم الطلوع بمعنى الظهور من كمال النور مستعار من طلعت الشمس ، وفيه إيماء إلى كمال عظمته وعلو مرتبته ، والتنوين في رجل للتعظيم ويحتمل التنكير لأن الراوي حين روايته وإن كان عارفا بأنه جبريل لكنه حكى الحال الماضية كما يعلم من قوله : لا يعرفه منا أحد ، وفيه دليل على أن الملك له أن يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل بما شاء ، قال الله تعالى : 16 ( { فتمثل لها بشرا سويا } ) [ مريم 17 ] والحكمة في اختيار شكل البشر الإستئناس لأن الجنسية علة الضم ، فالمعنى رجل في الصورة إذ هو جبريل كما عبر به في رواية وما وقع في رواية النسائي من أن جبريل نزل في صورة دحية الكلبي [ معلول ] بأنه وهم من راويه لقول [ عمر ] الآتي : ( ولا يعرفه منا أحد ) ، نعم كان غالبا يتمثل بصورة دحية لكمال جماله ( شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط صفة رجل ، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره ، وفي نسخة بالتنوين في الصفتين المشبهتين ورفع ما بعدهما على الفاعلية . وفيه استحباب البياض والنظافة في الثياب ، وأن زمان طلب العلم أوان الشباب لقوته على تحمل أعبائه وقدرته على تعمل أدائه ، وقدم البياض على السواد لأنه خير الألوان ومحيط بالأبدان ولئلا يفتتح بغتة بلون متوحش ، وجمع الثياب دون الشعر إشعارا بأن جميعها كذلك . وفي رواية ابن حبان شديد سواد اللحية ، وبها يتبين محل الشعر المذكور في الحديث المشهور والشعر بفتحتين أفصح من سكون الثاني ، ويضم معه مراعاة للسجع في قوله ( لا يرى عليه أثر السفر ) روي بصيغة المجهول الغائب رفع الأثر وهو رواية الأكثر والأشهر ، وروي بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر ، والجملة حال من رجل ، أو صفة له . والمراد بالآثار ظهور التعب والتغير والغبار ، والسفر مأخوذ من السفر وهو الكشف لأنه يكشف أحوال الرجال وأخلاقهم عند مباشرة الأعمال ( ولا يعرفه ) عطف على ما قبله ( منا ) أي من الحاضرين في المجلس قدم للإهتمام على قوله ( أحد ) وقال أبو الفضائل علي بن عبدالله بن أحمد المصري المشتهر بزين العرب في شرحه للمصابيح : ( أي من الصحابة وإلا فالرسول قد عرفه ) . وقال السيد جمال الدين : ( قد جاء صريحا في بعض الروايات أن النبي لم يعرفه حتى غاب جبريل كما أفاده الشيخ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري والمعنى تعجبنا من كيفية إتيانه ، وترددنا في أنه من الملك أو من الجن إذ لو كان بشرا من المدينة لعرفناه ، أو كان غريبا لكان عليه أثر السفر فإن قيل كيف علم عمر أنه لم يعرفه أحد منهم أجيب بأنه يحتمل أنه استند في ذلك إلى ظنه ، أو إلى صريح قول الحاضرين ، والثاني أولى فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث : ( فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، فقالوا : ما نعرف هذا ) ، كذا قاله الشيخ ابن حجر العسقلاني . ( حتى جلس ) غاية لمحذوف دل عليه طلع أوله لأنه بمعنى أتى أي أقبل واستأذن ، وفي مسند الإمام الأعظم عن حماد عن علقمة عن ابن مسعود قال : ( جاء جبريل إلى النبي في صورة شاب عليه ثياب بياض ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فقال : رسول الله : وعليك السلام ، فقال : يا رسول الله أدنو ، فقال : أدن ) ، فالتقدير : دنا حتى جلس متوجها أي مائلا ( إلى النبي ) والجلوس والقعود مترادفان وما ذكره التوربشتي وغيره أن القعود استعماله مع القيام والجلوس مع الإضطجاع محمول على أنه الأصل أو الغالب وفي رواية : ( حتى برك بين يدي النبي كما يجلس أحدنا للصلاة ) ، وقول زين العرب أي جلس إلى جانبه [ أو معه ] لا يلائمه قوله :
Page 108