Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
ثم الإستطاعة هي القدرة من طاع لك إذا سهل ، يطلق على سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي قد تتقدم على الفعل وعلى غرض في الحيوان يفعل به الأفعال الإختيارية ولا يكون إلا مع الفعل ، وهي كما فسرت استطاعة خاصة بالمعنى الأول فلا يرد ما قيل : إن الإستطاعة التي بها يتمكن المكلف من فعل العبادة مشروطة في الكل فكيف خص الحج بها ؟ قال الطيبي : فإن قلت : كيف خص الحج بالإستطاعة دون سائر الأركان الإسلامية مع أن الإستطاعة التي بها يتمكن المكلفون من فعل الطاعة مشروطة في الكل ؟ أجيب بأن المعنى بهذه الإستطاعة الزاد والراحلة وكان طائفة لا يعدونها منها ويثقلون على الحاج فنهوا عن ذلك ، أو علم الله تعالى أن ناسا في آخر الزمان يفعلون ذلك فصرح تسهيلا على العباد ؛ ومع ذلك ترى كثيرا من الناس لا يرفعون لهذا النص الجلي رأسا ، ويلقون أنفسهم بأيديهم إلى التهلكة ، أقول : ولعل في هذا حكمة وهي أن تكون حجة على الأغنياء التاركين للحج رأسا مع أن الله تعالى أعطاهم مالا وأثاثا . وإيراد الأفعال المضارعية لإفادة الإستمرار التجددي لكل من الأركان الإسلامية ؛ ففي التوحيد المطلوب الإستمرار الدائم مدة الحياة ، وفي الصلاة دونه ، ثم في الصوم والزكاة دونها ، وقدم الصوم لتعلقه بجميع المكلفين ، وأخر ما وجب في العمرة مرة . وفي فتح الباري : ( فإن قيل : السؤال عام لأنه سئل عن ماهية الإسلام والجواب خاص بقوله : أن تعبد وتشهد وكذا قال في الإيمان : أن تؤمن ، وفي الإحسان : أن تعبد ، فالجواب أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وأن والفعل لأن أن والفعل يدل على الإستقبال والمصدر لا يدل على الزمان على أن في رواية قال : شهادة أن لا إله إلا الله ) ا ه . وقيل : الأولى في الجواب أن يقال : القصد التعليم ، وهو إنما يتعلق بالأمور المستقبلة فلذلك عدل عن المصدر المناسب للسؤال إلى ما يدل على الإستقبال ويسنح بالبال ، والله أعلم بحقيقة الحال أن العدول عن المصدر المفيد للعلم إلى المضارع المقتضي للعمل إيماء إلى أنه لا يكفي مجرد المعرفة من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل ، وبنحو هذا العدول يعلم بلوغ بلاغته إلى أعلى الغايات وأعلى النهايات . ووقع في رواية حذف الحج ، وفي أخرى حذف الصوم ، وفي أخرى الإقتصار على الشهادتين ، وفي أخرى على الصلاة والزكاة ولا تخالف لأن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره ذهولا أو نسيانا كذا قيل ، أو يقال : لكل وجهة ، فحذف الحج لأن وجوبه نادر وفي العمر مرة ، وحذف الصوم اكتفاء بذكر الصلاة فإن كلا منهما عبادة بدنية ، والإقتصار على الشهادتين لأنهما أساس الإسلام ، وعلى الصلاة والزكاة لأنهما عمدة العبادة البدنية والمالية ، والمقصود ظاهر الطاعة والإنقياد والعبادة لا استيفاء أفرادها ، وإن كانت الخمسة هي معظم أركانها فالمراد بذكر بعضها مثلا هو التنبيه على بقيتها ولذا ورد في رواية : ( وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء ) فيحمل الإختلاف اللفظي على التحديث المعنوي .
ثم أعلم أن لكل من تلك الأركان ظاهرا تبين أحكامه في الكتب الفقهية ، وباطنا من حقائق وأسرار ذكرها أرباب القلوب الأمناء لأسرار الغيوب فنحن نذكر نبذة منها :
أما التوحيد : فهو ظهور فناء الخلق بتشعشع أنوار الحق وله مراتب كما ذكره ذوو المناقب .
Page 112