28

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

وهذا الحديث يدل على ترادف الرسول والنبي فإنه كما يجب الإيمان بالرسل يجب بالأنبياء ، وعن الإمام أحمد عن أبي أمامة قال أبو ذر : ( قلت : يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء ، قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ؛ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ) ا ه . وهو ظاهر في التغاير وعليه الجمهور في الفرق بينهما بأن النبي : إنسان بعثه الله ولو لم يؤمر بالتبليغ ، والرسول : من أمر به فكل رسول نبي ولا عكس ، فلعل وجه التخصيص أن الرسول هو المقصود بالذات في الإيمان من حيث إنه مبلغ وأن الإيمان بالأنبياء إنما يعرف من جهة تبليغ الرسل فإنه لا تبليغ للأنبياء والله أعلم . وهذا لا ينافي حديث أحمد قوله تعالى : 16 ( { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } ) [ غافر : 78 ] لأن المنفي هو التفصيل والثابت هو الإجمال ، أو النفي مقيد بالوحي الجلي والثبوت متحقق بالوحي الخفي . فإن قلت ما فائدة ذكر ما بعد الرسل وما قبلهم مع أن الإيمان بهم المستلزم للإيمان بجميع ما جاؤا به يستلزم الإيمان بجميع ذلك ؟ قلت : التنبيه على الترتيب الواقع فإن الله تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول لمعرفة المبدأ والمعاد ، وإن الخير والشر يجريان على العباد بمقتضى ما قدره وقضاه وأراده ، ولهذا قدم الملائكة لا لكونهم أفضل من الرسل لأنه مختلف ولا من الكتب إذ لم يقل به أحد . وهذا الترتيب مما يقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام : ( لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ) معلوم لنبينا إذ فيه إشارة إلى تمكينه في وقت كشوف المشاهدة واستغراقه في بحر الوحدة حيث لا يبقى فيه أثر البشرية والكونين ، وهذا محل استقامته في مشهد التمكين الذي أخبر الله عنه بقوله : 16 ( { فكان قاب قوسين أو أدنى } ) [ النجم 9 ] وليس هناك مقام جبريل وجميع الكروبيين ولا مقام الصفي والخليل ومن دونهم من الأنبياء ، وكان أكثر أوقاته كذلك لكن يرده الله إلى تأديب أمته في بعض الأوقات ليجري عليهم أحكام التلوين ولا يذوب في أنوار كبرياء الأزل ( واليوم الآخر ) أي يوم القيامة لأنه آخر أيام الدنيا وهو الأحسن ليشمل أحوال البرزخ فإنه آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، ولأنه مقدمته ، أو لأنه أخر عنه الحساب والجزاء ، وقيل : هو الأبد الدائم الذي لا ينقطع لتأخره عن الأوقات المحدودة وذلك بأن تؤمن بوجوده وبما فيه من البعث الجسماني والحساب والجنة والنار وغير ذلك مما جاءت به النصوص ، وفي رواية البخاري ( والبعث الآخر ) فهو تأكيد كأمس الذاهب ، أو لإفادة تعدده ؛ فإن الأول هو الإخراج من العدم إلى الوجود ، أو من بطون الأمهات إلى الدنيا ، والثاني البعث من بطون القبور إلى محل الحشر [ والنشور ] ، وفي أخرى له : ( وبلقائه وتؤمن بالبعث ) فاللقاء الإنتقال إلى دار الجزاء ، والبعث بعث الموتى من قبورهم وما بعده من حساب وميزان وجنة ونار ، وقد صرح بهذه الأربعة في رواية ، وقيل : اللقاء الحساب ، وقيل : رؤية الله تعالى ، وقيل : المراد بالبعث بعثة الأنبياء ( وتؤمن ) أي وأن تؤمن ( بالقدر ) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه وإعادة العامل إما لبعد العهد كقول الشاعر :

لقد علم الحي اليماني أنني

إذا قلت أما بعد إني خطيبها

أو لشرف قدره وتعاظم أمره وقع فيه الإهتمام لأنه محار الأفهام ومزال الأقدام ، وقد علم عليه الصلاة والسلام أن الأمة سيخوضون فيه وبعضهم يتقونه فاهتم بشأنه ثم قرره بالإبدال [ بقوله ] ( خيره وشره ) أي نفعه وضره ، وزيد في رواية : ( وحلوه ومره ) فإن البدل توضيح مع التوكيد المفيد للتعميم لتكرير العامل ، وعندي أن إعادة العامل هنا أفادت أن هذا المؤمن به دون ما سبق ، فإن من أنكر شيئا مما تقدم كفر بخلاف من أنكر هذا فإنه لا يخرجه عن دائرة الإسلام فيكون بمنزلة التذييل والتكميل ، وأما قول ابن الملك : ( خيره وشره ) بدل بعض فغير ظاهر إلا أن يقال باعتبار كل من [ المعطوف ] والمعطوف عليه ، والأظهر أنه بدل الكل والرابطة بعد العطف ، والمعنى : تعتقد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلائق ، وأن جميع الكائنات متعلق بقضاء الله مرتبط بقدره . قال تعالى : 16 ( { قل كل من عند الله } ) [ النساء 78 ] وهو مريد لها لقوله تعالى : 16 ( { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } ) [ الأنعام 125 ] فالطاعات يحبها ويرضاها بخلاف الكفر والمعاصي ، قال تعالى : 16 ( { ولا يرضى لعباده الكفر } ) [ الزمر 7 ] والإرادة لا تستلزم الرضا .

Page 118