30

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

هذا والقدرية فسروا القضاء بعلمه بنظام الموجودات وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أفعال المخلوقات ، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله تعالى مرادة له ، ومع ذلك هي مكتسبة للعباد لأن لهم نوع اختيار في كسبها وإن رجع ذلك في الحقيقة إلى إرادته تعالى وخلقه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهذا أوسط المذاهب وأعدلها وأوفقها للنصوص ، والحق والصواب خلافا للجبرية القائلين بأن العباد مجبورون على أفعالهم ؛ إذ يلزمهم أن لا تكليف ، ومن اعترف منهم بهذا اللازم فهو كافر بخلاف من زعم أن سلب قدرة العبد من أصلها إنما هو تعظيم لقدرة الله تعالى عن أن يشركه فيها أحد بوجه فإنه مبتدع ، وخلافا للقدرية النافين للقدر وهم المعتزلة القائلون بأن العبد يخلق أفعال نفسه ، وأن قدرة الله تعالى لا تؤثر فيها ، وأن إرادته لا تتعلق بها لإستقلال قدرة العبد بالإيجاد والتأثير في أفعاله ؛ إذ يلزمهم أن له تعالى شركاء في ملكه سبحانه فمن اعتقد حقيقة الشركة قصدا فقد كفر أو تنزيه الله تعالى عن الفعل القبيح فهو مبتدع . روي أنه كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب إليه الحسن بن علي : ( من لم يؤمن بقضاء الله وقدره وخيره وشره فقد كفر ، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر ، وأن الله تعالى لا يطاع استكراها ولا يعصى بغلبة لأنه تعالى مالك لما ملكهم وقادر على ما أقدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا ، وإن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك ، ولو جبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب ، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب ولو أهملهم كان ذلك عجزا في القدر ، ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم ، فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم والسلام ) . فهذه رسالة يظهر عليها أنوار مشكاة النبوة والرسالة .

ثم أعلم أن الإيمان بالقدر يستلزم العلم بتوحيد ذات الحق ؛ لأن إتيان المقدورات وأحكامها على ما هو حقها في أزمنة وأمكنة مخصوصة تدل على توحد الحكم بتقديرها المقتضي لتوحد المقدر والعلم بصفاته ، كسعة علمه ورحمته على العالمين وآثار قدرته وحكمته للمخلوقين ، ونفوذ قضائه فيهم والعلم بكمال صنعه وأفعاله ، وأن الحوادث مستندة إلى الأسباب الإلهية ، فيعلم أن الحذر لا يقطع القدر ولا ينازع أحدا في طلب شيء من اللذات ولا يأنس بها إذا وجدها ، ولا يغضب بسبب فوت شيء من المطالب ، ولا بوقوع شيء من المهارب ، قال الله تعالى : 16 ( { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } ) [ آل عمران 153 ] ، وورد في الحديث : ( ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) ، فيكون مستسلما للحق فيما أراده من القضاء المطلق وحسن الخلق مع سائر الخلق ، قال بعض العارفين : ( إن الله قدر وجود مخلوقاته لمظاهر تجلي أسمائه وصفاته ، فلكل منها مقدار مقدر لمظاهر تجلي ما علمه الله له [ من ] الأسماء والصفات مما يليق به وهو مستعد له ، وبذلك يسبح [ له ] كما قال : 16 ( { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ) [ الإسراء 44 ] ولكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والتحميد تنزيها لصانعه وحمدا له على ما أولاه من مظهريتها للصفات الجمالية والجلالية ؛ فالأشياء كلها مقادير لأسماء الله تعالى وصفاته دون ذاته فإنه لا يسعها إلا قلب المؤمن : ( لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ) ، ولذا قيل : ( قلب المؤمن عرش الله ) ، وقال أبو يزيد قدس سره : ( لو وقع العالم ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ) . ( قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان ) قيل : أي المعهود ذهنا في الآيات القرآنية من قوله تعالى : 16 ( { للذين أحسنوا الحسنى } ) [ يونس 26 ] 16 ( { وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ) [ الرحمن 60 ] 16 ( { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } ) [ المائدة 53 ] والأظهر أن المراد به في الآيات ما اشتمل على الإيمان والإسلام وغيرهما من الأعمال والأخلاق والأحوال ، والمراد في الحديث المعنى الأخص فقيل : أراد به الإخلاص فإنه شرط في صحة الإيمان والإسلام . معا لأن من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية إلا لخلاص لم يكن إيمانه صحيحا قاله في النهاية ، فكأن المخلص في الطاعة يوصل الفعل الحسن إلى نفسه والمرائي يبطل عمل نفسه . والإخلاص تصفية العمل من طلب عوض وغرض عرص ورؤية رياء ، والأظهر أن المراد به إحسان العمل وهو إحكامه وإتقانه ، وهو يشمل الإخلاص وما فوقه من مرتبة الحضور مع الله تعالى ، ونفي الشعور عما سواه ويدل عليه الجواب .

Page 120