Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( قال أن تعبد الله ) أي توحده وتطيعه في أوامره وزواجره ، وفي رواية : ( أن تخشى الله ) ومآلهما واحد لأن العبادة أثر الخشية وهي منتجة للعبادة وهي الطاعة مع الخضوع والمذلة ، قال الراغب : ( العبادة فعل اختياري مناف للشهوات البدنية ، تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة ) ، وقال بعض المحققين : ( وهي الغاية القصوى من إبداع الخلق وإرساله الرسل ، وكلما ازداد العبد معرفة ازداد عبودية ، ولذا خص الأنبياء وأولو العزم بخصائص في العبادة ، ولا ينفك العبد عنها ما دام حيا بل في البرزخ عليه عبودية أخرى لما سأله الملكان عن ربه ودينه ونبيه ، وفي القيامة يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ، وإذا دخل الجنة كانت عبوديته سبحانك اللهم مقرونا بأنفاسه وفي كلام الصوفية : إن العبادة حفظ الحدود ، والوفاء بالعهود ، وقطع العلائق والشركاء عن شرك والفناء عن مشاهدتك في مشاهدة الحق وله ثلاث مراتب ، لأنه إما أن يعبده رهبة من العقاب ورغبة في الثواب وهو المسمى بالعبادة وهذه لمن له علم اليقين ، أو يعبده تشرفا بعبادته وقبول تكاليفه وتسمى بالعبودية وهذه لمن له عين اليقين ، أو يعبده لكونه إلها وكونه عبدا والإلهية توجب العبودية وتسمى بالعبودة وهذه لمن له حق اليقين ، والشرك رؤية ضر أو نفع مما سواه ، وإثبات وجود غير الله ذاتا أو صفة أو فعلا ) ( كأنك تراه ) مفعول مطلق أي عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه ، أو حال من الفاعل أي حال كونك مشبها بمن ينظر إلى الله خوفا منه وحياء وخضوعا وخشوعا وأدبا وصفاء ووفاء وهذا من جوامع الكلم ؛ فإن العبد إذا قام بين يدي مولاه لم يترك شيئا مما قدر عليه من إحسان العمل ولا يلتفت إلى ما سواه ، وهذا المعنى موجود في عبادة العبد مع عدم رؤيته فينبغي أن يعمل بمقتضاه ، إذ لا يخفى أن من يرى من يعمل له العمل يعمل له أحسن ما يمكن عمله ، ولا شك أن ذلك التحسين لرؤية المعمول له العامل حتى لو كان العامل يعلم أن المعمول له ينظر إليه من حيث لا يراه يجتهد في إحسانه العمل أيضا ، ولذا قال : ( فإن لم تكن تراه ) أي تعامله معاملة من تراه ( فإنه يراك ) أي فعامل معاملة من يراك ، أو فأحسن في عملك فإنه يراك ، وفي رواية : ( فإن لم تره ) أي بأن غفلت عن تلك المشاهدة المحصلة لغاية الكمال فلا تغفل عما يجعل لك أصل الكمال ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، بل استمر على إحسان العبادة مهما أمكن فإنه يراك أي دائما فاستحضر ذلك لتستحيي [ منه ] حتى لا تغفل عن مراقبته ولا تقصر في إحسان طاعته . وحاصل الكلام فإن لم تكن تراه مثل الرؤية المعنوية فلا تغفل فإنه يراك ؛ فالفاء دليل الجواب وتعليل الجزاء ، لأن ما بعدها لا يصلح للجواب ، لأن رؤية الله للعبد حاصلة سواء رآه العبد أم لا ، بل الجواب محذوف استغناء عنه بالمذكور لإنه لازمه ، وقيل : التقدير فكن بحيث إنه يراك وهو موهم ، قال السيد جمال الدين : ( وليس معناه فإن لم تكن تعبد الله كأنك تراه فأعبده كأنه يراك كما ظن فإنه خطأ بين ) ا ه . وأراد به الرد على الطيبي ، وبيانه أن رؤية الله تعالى لنا متحققة دائما حالة العبادة وغيرها فالتعبير بكأنه يراك خطأ والصواب فإنه يراك ، ووهم بعضهم أيضا فقال بعد قوله : كأنك تراه : أي كأنك تراه ويراك فحذف الثاني لدلالة الأول عليه وهو غلط قبيح لما تقدم ، فالصواب أن يقال : وهو يراك .
Page 121