32

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

وحاصل جميع الأقوال الحث على الإخلاص في الأعمال ومراقبة العبد ربه في جميع الأحوال . قال بعض العارفين : الأول إشارة إلى مقام المكاشفة ومعناه إخلاص العبودية ورؤية الغير بنعت إدراك القلب عيان جلال ذات الحق وفنائه عن الرسوم فيه ، والثاني إلى مقام المراقبة في الإجلال وحصول الحياء من العلم بإطلاع ذي الجلال . قيل : المعنى فإن لم تكن بأن تكون فانيا تراه باقيا فإنه يراك في كل حال من غير نقصان وزوال ، وما قيل من أنه لا يساعده الرسم بالألف فمدفوع بحمله على لغة ، أو على إشباع حركة ، أو على حذف مبتدأ وهو أنت . وجاز حذف الفاء من الجملة الإسمية الواقعة موقع الجزاء ، والمعنى أن تعبد الله في حال شعورك بوجودك لقوله تعالى : 16 ( { وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ) [ الحجر 99 ] أي الموت بإجماع المفسرين ، فإذا فنيت ومت موتا حقيقيا تراه رؤية حقيقية وترتفع العبادات التكليفية و [ التكلفية ] ، وإذا مت موتا مجازيا ودخلت في حال الفناء وبقيت في مقام البقاء تراه رؤية مشاهدة غيبية تسقط عنك ثقل العبادات البدنية ، أو نفس الأعمال الظاهرية عند غلبات الجذبات الباطنية ، وقوله : ( فإنه يراك ) متعلق بالكلام السابق وإن كان له تعلق ما أيضا باللاحق ، وإنما أطنبت في المقام لتخطئة بعض الشراح في ذلك الكلام ، ولا ينافيه ما ورد في بعض الروايات : ( فإنك أن لا تراه فإنه يراك ) ، وفي بعضها : ( فإن لم تره فإنه يراك ) فإن القائل بما تقدم ما ادعى المراد من الحديث المؤدي بالعبارة بل ذكر معنى يؤخذ من فحوى الكلام بطريق الإشارة ، قيل : وفي قوله : ( كأنك تراه ) دليل لما هو الحق من أن رؤية الله تعالى في الدنيا لا تقع لحديث مسلم : ( واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ) ، قال الإمام مالك : ( لأن البصر في الدنيا خلف للفناء فلم يقدر على رؤية الباقي بخلافه في الآخرة ، فإنه لما خلق للبقاء الأبدي قوي وقدر على نظر الباقي سبحانه ، فرؤيته ليلة الإسراء بعين رأسه على القول به إما على أنه مستثنى ، وإما لكونه في الملكوت الأعلى الذي لا يصدق عليه الدنيا ، ونزاع المعتزلة معروف في هذه المسألة . هذا وقد جاء في كثير من الروايات أن جبريل هنا أيضا قال : صدقت ولعل بعض الرواة لم يذكره نسيانا أو اختصارا أو اعتمادا على المذكور ، وفي بعض روايات [ صحيح ] مسلم وشرح السنة مسطور ، وقيل : إنما لم يقل ههنا صدقت لأن الإحسان هو الإخلاص وهو سر من أسرار الله تعالى لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل كما جاء في الحديث المسلسل الرباني : ( الإخلاص سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي ) ا ه . وما ذكر أولا هو الأولى ( قال فأخبرني عن الساعة ) أي عن وقت قيامها لما في رواية : ( متى الساعة ) لا وجودها لأنه مقطوع به ، وقيل : لأنه علم من قوله السابق : ( واليوم الآخر ) وهي جزء من أجزاء الزمان عبر بها عنها وإن طال زمنها اعتبارا بأول زمانها فإنها تقع بغتة ، أو لسرعة حسابها ، أو على العكس لطولها ، أو تفاؤلا كالمفازة للمهلكة ، [ أ ] و لأنها عند الله كساعة عند الخلق ، كذا في الكشاف . والساعة لغة مقدار غير معين من الزمان ، وعرفا جزء من أربعة وعشرين جزأ من أوقات الليل والنهار ، قيل : والساعة كما تطلق على القيامة وهي الساعة الكبرى تطلق على موت أهل القرن الواحد ، وهي الساعة الوسطى كما في قوله عليه الصلاة والسلام حين سألوه عن الساعة فأشار إلى أصغرهم : ( إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم ) إذ المراد انقضاء عصرهم ، ولذا أضاف إليهم ، وعلى الموت وهي الساعة الصغرى وورد : ( من مات فقد قامت قيامته ) .

Page 123