34

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( قال أن تلد الأمة ربتها ) أي من جملة علاماتها [ أ ] و إحدى أماراتها ولادة الأمة مالكها ومولاها ، وقيل : التقدير علاماتها ولادة الأمة ورؤية الجفاة فاحتاج إلى أن يقول : أخبر عن الجمع باثنين لأنهما أقله كما يدل عليه جمع ، وتأنيثها في هذه الرواية وإن ذكر في روايات أخر باعتبار التسمية ليشمل الذكور والإناث ، أو فرارا من شركة لفظ رب العباد وإن جوز إطلاقه على غيره تعالى بالإضافة دون التعريف لأنه من ألفاظ الجاهلية ، أو أراد البنت فيعرف الابن بالأولى ، والإضافة إما لأجل أنه سبب عتقها ، أو لأنه ولدربها ، أو مولاها بعد الأب . وفسر هذا القول كثير من الناس بأن السبي يكثر بعد اتساع رقعة الإسلام فيستولد الناس إماءهم فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملكها راجع إليه في التقدير ، وذلك إشارة إلى قوة الدين واستيلاء المسلمين ؛ وهي من الأمارات لأن بلوغ الغاية منذر بالتراجع والإنحطاط المؤذن بقيام الساعة ، أو إلى أن الأعزة تصير أذلة لأن الأم مربية للولد مدبرة أمره فإذا صار الولد ربها سيما إذا كان بنتا ينقلب الأمر ، كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك وهي أن الأذلة ينقلبون أعزة ملوك الأرض فيتلاءم المعطوفان ، وهذا إخبار بتغير الزمان وانقلاب أحوال الناس بحيث لا يشاهد قبله ، ويؤيده ما ورد من حديث أنه : ( إذا ضيعت الأمانة ووسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ، وقيل : سمي ولدها سيدها لأن له ولاءها بإرثه له عن أبيه إذا مات ، أو أنه كسيدها لصيرورة مال أبيه إليه غالبا فتصير أمه كأنها أمته ، وقيل : معناه أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته ، وأيد بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبا من وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر ، ثم انعكس الأمر سيما من أثناء دولة بني العباس ، ويقرب منه القول بأن السبي إذا كثر قد يسبي الولد صغيرا ثم يعتق ويصير رئيسا بل ملكا ثم يسبي أمه فيشتريها عالما أو جاهلا بها ، ثم يستخدمها وقد يطؤها أو يعتقها ويتزوجها ، وقيل : معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد فتردد في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها أو يطأها وهو لا يعلم ، ويؤيده رواية : ( بعلها ) وإن فسر بسيدها ، وقيل : معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الخدمة وغيرها ، وخص بولد الأمة لأن العقوق فيه أغلب ، وعبر في رواية البخاري ( بإذا ) بدل أن المفتوحة إشارة إلى تحقق الوقوع ، ولذلك قالوا : يقال : إذا قامت القيامة ، ولا يقال : إن بالكسر لأنه كفر لإشعاره بالشك ، قال ابن حجر : ( وفي جزمهم بأن ذلك كفر نظر ، ويتعين حمله على من عرف هذا المعنى واعتقده وإلا فكثيرا ما يستعمل إن موضع إذا وبالعكس لأغراض بينت في علم المعاني ) ( وأن ترى ) خطاب عام ليدل على بلوغ الخطب في العلم مبلغا لا يختص به رؤية راء ( الحفاة ) بضم الحاء جمع الحافي وهو من لا نعل له ( العراة ) جمع العاري وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفا مما يحسن . وينبغي أن يكون ملبوسا ( العالة ) جمع عائل وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر أو من عال يعول إذا افتقر وكثر عياله ( رعاء الشاء ) بكسر الراء والمد جمع راع كتاجر وتجار والشاء جمع شاة ، والأظهر أنه اسم جنس ، وفي رواية : ( الإبل البهم ) بضم الباء أي السود وهو بجر الميم ورفعها وصفا للرعاة جمع بهيم ، فيكون كناية عن جهلهم وأنه لا يعرف لهم أصل من أبهم الأمر إذا لم يعرف حقيقته ، وقال القرطبي : الأولى حمله على سواد اللون لأن الأدمة غالب ألوان العرب أو للإبل جمع بهماء إذ السود شرها عندهم وخيرها عندهم الحمر ، ومن ثم ورد : ( خير من حمر النعم ) وفي رواية : ( البهم ) بفتح الباء ولا وجه له مع ذكر الإبل بل مع حذفه الذي هو رواية مسلم إذ هو جمع بهمة وهي صغار الضأن والمعز ، ورجحت هذه على تلك لأن رعاء الغنم أضعف أهل البادية بخلاف رعاء الإبل فإنهم أهل فخر وخيلاء ( يتطاولون في البنيان ) أي يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته ، ويتفاخرون في حسنه وزينته ، وهو مفعول ثان إن جعلت الرؤية فعل البصيرة ، أو حال أن جعلتها فعل الباصرة ، ومعناه إن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا ملكا أو ملكا فيتوطنون البلاد ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها ؛ فهو إشارة إلى تغلب الأراذل وتذلل الأشراف وتولي الرياسة من لا يستحقها أو تعاطي السياسة من لا يستحسنها ، كما أن قوله : ( أن تلد الأمة ربتها ) إشارة إلى عكس ذلك ، وقيل : كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام فيتناسب المتعاطفان في الكلام ، ولعل تخصيصهما لجلالة خطبهما ونباهة شأنهما وقرب وقوعهما . ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم والفسق والجهل وبلوغها مبالغ العليا ، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا ونسيان منازل العقبى ، ويقال : تطاول الرجل إذا تكبر فلا يرد ما ذكره ابن حجر من قوله : ( التفاعل فيه بين أفراد العراة الموصوفين بما ذكر لا بينهم وبين غيرهم ممن كان عزيزا فذل خلافا لمن وهم فيه ) ، وقال : المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد ويتخذون القصور الرفيعة ويتكبرون على العباد والزهاد .

وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام ، يؤذن بأن لا يناسب فيها المقام ، فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام ، كما أنشدت الملكة حرقة بنت النعمان لما سبيت وأحضرت عند سعد بن أبي وقاص :

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا

إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها

تقلب تارات بنا وتصرف

فهنيئا لمن جعل الدنيا كساعة ، واشتغل فيها بالطاعة ، قياما بأمر الحبيب ، فإن كل ما هو آت قريب ، قال تعالى : 16 ( { إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون } ) [ الأنبياء 1 2 ] .

Page 126