Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( قال ) أي عمر ( ثم انطلق ) أي السائل ( فلبثت ) أي أنا ، وفي رواية : ( فلبث ) أي هو ( مليا ) بفتح الميم وتشديد الياء من الملاوة إذا المهموز بمعنى الغنى أي زمانا ، أو مكثا طويلا وبينته رواية أبي داود والنسائي والترمذي قال عمر : ( فلبثت ثلاثا ) ، وفي رواية للترمذي : ( فلقيني النبي بعد ثلاث ) ، وفي أخرى : ( فلبثت ليالي فلقيني النبي بعد ثلاث ) ، وفي أخرى لابن حبان : ( بعد ثالثة ) ، وفي أخرى لابن منده : ( بعد ثلاثة أيام ) ، وفي ورود هذه الروايات رد على من وهم أن رواية ثلاثا مصحفة من رواية مليا والمعنى أني لم أستخبر منه عليه الصلاة والسلام مهابة ، وفي شرح مسلم : ( وهذا مخالف لرواية أبي هريرة من أنه عليه الصلاة والسلام ذكره في المجلس اللهم إلا أن يقال : إن عمر لم يحضر في الحال بل قام فأخبر الصحابة ، ثم أخبر عمر بعد ثلاثة أيام ) ( ثم قال لي يا عمر أتدري ) أي أتعلم ، وفي العدول نكتة لا تخفى [ ( من السائل ) أي ما يقال في جواب هذا السؤال ] ( قلت الله ورسوله أعلم ) لأن الأمارات السابقة والتعجب أوقعهم في التردد ، أهو بشر أم ملك ، وهذا القدر يكفي في الشركة على أن اسم التفضيل كثيرا يراد به أصل الفعل من غير شركة ( قال فإنه جبريل ) أي إذا فوضتم العلم إلى الله ورسوله فإنه جبريل على تأويل الإخبار أي تفويضكم ذلك سبب للإخبار به وقرينة المحذوف قوله الله ورسوله أعلم ، فالفاء فصيحة لأنها تفصح عن شرط محذوف ، وأكد الكلام لأن السائل طالب متردد ، وفي رواية : ( ردوه فأخذوا ليردوه فما رأوا شيئا ) قال القاضي : ( وجبريل ملك متوسط بين الله ورسله ، ومن خواص الملك أن يتمثل للبشر فيراه جسما ) ا ه . قيل : والسر في التوسط أن المكالمة تقتضي مناسبة بين المتخاطبين ، فاقتضت الحكمة توسط جبريل ليتلقف الوحي بوجهه الذي في عالم القدرة من الله سبحانه تلقفا روحانيا ، أو من اللوح ويلقيه بوجهه الذي في عالم الحكمة إلى النبي ، فربما ينزل الملك إلى صورة البشر وربما يرتقي النبي إلى رتبة الملكية ، ويتعرى عن الكسوة البشرية فيرد الوحي على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء والكمال ويأخذ بمجامعه ، فإذا سري عنه وجد المنزل ملقى في الروع كما في المسموع ، وهذا معنى قوله : ( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ) . ثم جبريل بكسر الجيم وفتحها مع كسر الراء بعدها ياء وبفتحها وهمزة مكسورة مع ياء وتركها أربع لغات متواترات والأول أشهر وأكثر ( أتاكم ) استئناف بيان ، أو خبر لجبريل على أنه ضمير الشأن ( يعلمكم دينكم ) جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم أي عازما تعليمكم ، فهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإتيان معلما ، أو مفعول له بتقدير اللام كما في رواية والمراد تثبيتهم على علمهم وتقريره بطريق السؤال والجواب ليتمكن غاية التمكن في نفوسهم ، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب ، وإسناد التعليم إليه مجاز لأنه السبب ، وأضاف الدين إليهم لأنهم المختصون بالدين القيم دون سائر الناس ، أو الخطاب مخصوص بالصحابة خصوصا ، أو عموما فإن سائر الناس يأخذون دينهم منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وفيه إيماء إلى أن الإيمان والإسلام والإحسان يسمى دينا فقوله تعالى : 16 ( { إن الدين عند الله الإسلام } ) [ آل عمران 190 ] المراد به الكامل ، وكذا قوله عز وجل : 16 ( { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ) [ آل عمران 85 ] ، وفي رواية : ( أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا ) وفي أخرى : ( والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم [ وإنه لجبريل ] ) وفي أخرى : ( ثم ولى فلما لم ير طريقه ) ، قال النبي : ( سبحان الله هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم ، خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى ) ( رواه مسلم ) أي عن عمر ، ورواه البخاري في كتاب الزكاة مع تغيير كذا قاله بعض شراح الأربعين ، وقال ابن حجر : ( ولم يخرجه البخاري عن عمر لاختلاف فيه على بعض رواته ) ، وقال السيد جمال الدين : وقد رواه البزاز في مسنده من طريق أنس بن مالك ، وأبو عوانة الإسفراييني في صحيحه من طريق جرير بن عبد الله البجلي ، والنسائي في سننه من طريق أبي ذر الغفاري ، وأحمد بن حنبل في مسنده من طريق ابن عباس ؛ وكل واحد من الطرق مشتمل على فوائد غزيرة وفرائد كثيرة لم توجد في طريق عمرو أبي هريرة . وهذا حديث جليل سمي حديث جبريل ، وأم الأحاديث ، وأم الجوامع ، لأنه متضمن للشريعة والطريقة والحقيقة بيانا إجماليا على الوجه الأتم الذي علم تفاصيلها من السنن النبوية والشرائع المصطفوية ، على صاحبها ألوف التحية ، كما أن فاتحة الكتاب تسمى أم القرآن وأم الكتاب لاشتمالها على المعاني القرآنية والحكم الفرقانية بالدلالات الإجمالية ، فحديث إنما الأعمال [ بالنيات ] بمنزلة البسملة ، وهذا الحديث بمنزلة الفاتحة المصدرة بالحمدلة ، وهذا وجه وجيه وتنبيه نبيه لاختيارهما في صدر الكتاب ومفتتح الأبواب .
Page 128