Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( 3 ) ( ورواه أبو هريرة ) أي هذا الحديث أيضا ( مع اختلاف ) أي بين بعض ألفاظهما ( وفيه ) أي في مروي أبي هريرة ( ردوا علي الرجل ) فأخذوا يرادونه فلم يروا شيئا فأخبرهم أنه جبريل ذكره ابن حجر ، وتقدم الجمع عن النووي مع أن كون هذا الإخبار في المجلس غير صريح فلا ينافي ما تقدم من إعلام عمر بعد ثلاثة أيام في الصحيح ، وفيه أيضا ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم ) أي عن قبول الحق ( البكم ) أي عن النطق بالصدق ، جعلوا لبلادتهم وحماقتهم وعدم تمييزهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به ( ملوك الأرض ) منصوب على أنه مفعول ثان لرأيت ، أو على أنه حال والمراد بأولئك أهل البادية لما في رواية : ( قال : ما الحفاة العراة ، قال : العريب ) مصغر العرب ( في خمس ) هو في موضع النصب على الحال أي تراهم ملوك الأرض متفكرين في خمس كلمات إذ من شأن الملوك الجهال التفكر في أشياء لا تعنيهم ولا تغنيهم ، أو متعلق بأعلم أي ما المسؤول عنها بأعلم من السائل في علم خمس ، فإن العلم بها مختص به تعالى ، وفيه إشارة ظاهرة إلى إبطال الكهانة والتنجيم ونحوهما من كل ما فيه تسور على علم شيء كلي أو جزئي من هذه الخمس ، وإرشاد للأمة وتحذير لهم عن إتيان من يدعي علم الغيب لقوله تعالى : 16 ( { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } ) [ النمل 65 ] فإن قلت قد أخبر الأنبياء والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر ؟ قلت : الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها ، قال تعالى : 16 ( { فلا يظهر على غيبة أحدا * إلا من ارتضى من رسول } ) [ الجن 26 27 ] بناء على اتصال الإستثناء الذي هو الأصل وأخرج أحمد عن ابن مسعود : ( أوتي نبيكم علم كل شيء سوى هذه الخمس ) ، وأخرجه عن ابن عمر بنحوه مرفوعا ، وقال القرطبي : ( من ادعى علم شيء منها غير مستند إليه عليه الصلاة والسلام كان كاذبا في دعواه ) ، قال : ( وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم ، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك ) ا ه . ويؤيده ما أخرجه حميد بن زنجويه : ( أن بعض الصحابة ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهور ه فأنكر عليه ، فقال : إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية ، وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم ) ا ه . وما ذكره بعض الأولياء من باب الكرامة بإخبار بعض الجزئيات من مضمون كليات الآية فلعله بطريق المكاشفة ، أو الإلهام ، أو المنام التي هي ظنيات لا تسمى علوما يقينيات . وقيل : الجار متعلق بمقدر أي ذكر الله ذلك في خمس ، أو تجد علم ذلك في خمس ، وقيل : في بمعنى مع ، وقيل : بمعنى من أي من جملة خمس ، وقيل : هو مرفوع المحل على الخبرية أي الساعة ثابتة ، أو معدودة في خمس ، ويؤيده رواية : ( هي في خمس من الغيب ) أي علم وقت الساعة مندرج في جملة خمس كلمات ( لا يعلمهن إلا الله ) كما أفاده تقديم : ( عنده ) في الآية الآتية إذ الظرف خبر مقدم لإفادة الحصر ، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ، وعطف ( ينزل ) وما بعده بتقدير أن المصدرية على الساعة ، وجملة وما تدري المقصود منهما إثبات ذلك المنفي عن الغير فيهما لله تعالى . وهذا كله إنما يحتاج إليه إن لم يفسر الخمس بمفاتيح الغيب في قوله تعالى : 16 ( { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ) [ الأنعام 59 ] وأما إذا فسرت بها فالحصر جلي لا يحتاج إلى الإستدلال عليه . وأعلم أن الجواب تضمن زيادة على السؤال اهتماما بذلك وإرشادا للأمة لما يترتب على ذلك من المصلحة الكثيرة الفوائد العظيمة العوائد ( ثم قرأ ) أي النبي ( إن الله عنده علم الساعة ) أي آية تلك الخمس بكمالها كما دل عليه السياق بيانا لها ، ويحتمل أن يكون فاعل قرأ أبو هريرة فتكون الآية استشهادا ومصداقا للحديث ( وينزل الغيث ) قرىء بالتشديد والتخفيف أي وهو ينزل المطر الذي يغيث الناس في أمكنته وأزمنته لا يعلمها إلا هو ( الآية ) من قول أحد الرواة بالنصب [ على ] تقدير أعني ، أو يعني ، أو اقرأ ، أو قرأ ، أو على أنه بدل مما قبله وبالرفع أي الآية معلومة مشهورة إذا قرأها ، وقيل : بالجر والتقدير قرأ ، أو اقرأ إلى الآية أي آخرها ، وفي رواية لمسلم : ( إلى خبير ) ، وأخرى للبخاري : ( إلى الأرحام ) والأولى أولى لأن فيها زيادة ثقة وإفادة والروايتان تدلان على أن لفظة الآية ليست من قول المصنف كما ظن بعضهم وتمامها : 16 ( { ويعلم ما في الأرحام } ) أي وهو يعلم تفصيل ما في أرحام الإناث من ذكر أو أنثى وواحد ومتعدد وكامل وناقص ومؤمن وكافر وطويل وقصير وغير ذلك ، قال [ الله ] تعالى : 16 ( { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام } ) أي تنقص 16 ( { وما تزداد } ) أي من مدة الحمل والجثة والعدد 16 ( { وكل شيء عنده بمقدار } ) [ الرعد 8 ] أي بقدر وحد لا يتجاوزه وعدل عن العلم في قوله : 16 ( { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت } ) [ لقمان 34 ] لأن الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة ، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصا بها ولم يقع منه على علم كان عدم إطلاعها على غير ذلك من باب أولى . والمراد بالنفس ذات النفس أو ذات الروح وبهذين المعنيين لا يجوز إطلاق النفس على الله تعالى ، ولذا قيل : بالمشاكلة في قوله تعالى : 16 ( { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ) [ المائدة 116 ] وأما إذا أريد بها الذات المطلق فيصح إطلاقه على الله تعالى كما ورد : ( سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) 16 ( { إن الله عليم } ) [ أي بهذه الأشياء من جزئياتها وكلياتها خصوصا وبغيرها عموما 16 ( { خبير } ) [ أي بباطنها كما أنه عالم بظاهرها ، أو معناه يخبر ببعضها من جزئياتها لبعض عباده المخصوصين وقد أخبر في مواضع كتابه أن علم الساعة مما استأثر الله تعالى به ، وفي رواية : ( ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئا ) ( متفق عليه ) أي اتفق الشيخان على مروي أبي هريرة الذي فيه هذه الزيادة ، لكن استدركه ميرك وقال : إلا أن البخاري لم يقل الصم البكم ملوك الأرض ، بل قال في كتاب الإيمان : ( وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان ) ، وفي كتاب التفسير : ( وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذلك من أشراطها ) وأخرجه أبو داود والنسائي بمعناه .
Page 130