134

Nuṣrat al-qawlayn liʾl-Imām al-Shāfiʿī

نصرة القولين للإمام الشافعي

Editor

مازن سعد الزبيبي

Publisher

دار البيروتي

Publication Year

1430 AH

Publisher Location

دمشق

فإن قيل: خبِّرنا عمّا قال صاحبكم فيه القولين، هل كان على بصيرة يعلَمُ فيه الحقَّ على الباطل؟

فإن قلتم : لم يتبيَّن له ذلك !! فهذا حدُّ الجاهل؛ ومن قد حَارَ فيه الشُّبَهُ والتلبيس، وإن كان قد تبيَّن له الحقُّ فيها، فكيف استجاز لنفسه أنْ يحتجَّ للباطل على الحقِّ؟! والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾(١) [النساء: ١٠٥/٤].

قيل له: أولى الناس بأن يكون للخائنين خصيماً من قال بالقول الواحد، وحتم به واحتجَّ له وخاصم عنه وحكم به، ثمَّ رجع بخلافه وخاصم عنه وحکم به.

فأمَّا من ذكر القولين؛ فذكر حجَّة الحقِّ وشبهة أهل الباطل ليتفاقه المسلمون ويظهر الحقُّ على الباطل، فما خاصم عن الخائنين، ألا ترى إلى قول إبراهيم لمَّا رأى

(١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء١٠٥/٤). نزلت في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أُبَيْرِق أحد بني ظفر بن الحرث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جرابٍ فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرقٍ في الجراب حتّى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثمّ خبَّأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، فالتُّمِست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم ما أخذها وما به من علم، فقال صاحب الدرع: بلى والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتّى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلمّا أن حلف تركوه واتَّبعوا أثر الدقيق حتّى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلَّموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا ، وافتُضِحَ وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله أن يفعل، وكان هواه معهم، وأن يعاقب اليهودي حتّى أنزل الله الآية. انظر (أسباب النزول للواحدي ص ١٣٤).

133