77

Risālat al-ulfat bayn al-muslimīn

رسالة الألفة بين المسلمين

Editor

عبد الفتاح أبو غدة

Publisher

دار البشائر الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

1417 AH

Publisher Location

حلب

عليه وسَاغَ لهم العملُ به من اجتهاد العلماءِ والمشايخ والأمراءِ والملوك،


= اعلم أن اختلافَ المذاهبِ في هذه الملّة نعمةٌ كبيرة وفضيلةٌ عظيمة، وله سرٍّ لطيف أدركه العالِمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعتُ بعض الجهّال يقولُ: النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاء بشرعٍ واحدٍ، فمن أين مذاهبُ أربعة؟!.

ومن العجب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعضِ المذاهبِ على بعضٍ تفضيلاً يُؤدِّي إلى تنقيصٍ المُفضَّل عليه وسقوطِه، وربما أدّى إلى الخصام بين السفهاء! وصارت عصبيةٌ وحميةُ الجاهلية، والعلماءُ مُنزَّهون عن ذلك.

وقد وقع الاختلافُ في الفروع بين الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وهم خيرُ الأمة، فما خاصم أحدٌ منهم أحداً، ولا عادى أحدٌ أحداً، ولا نسب أحدٌ أحداً إلى خطأ ولا قُصور.

والسرُّ الذي أشرتُ إليه ... - هو - أن اختلافَ المذاهب في هذه الملّةِ خَصِيصَةٌ فاضلةٌ لهذه الأمة، وتوسّعٌ في هذه الشريعة السَّمحَة السهلة، وكانت الأنبياء قبل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُبعَثُ أحدُهم بشرعٍ واحدٍ وحكمٍ واحدٍ، حتى إنهم من ضيق شريعتهم لم يكن فيها تخييرٌ في كثير من الفروع، التي شُرِعَ فيها التخييرُ في شريعتنا، كتحثُّم القصاص في شريعةِ اليهود، وتحثُّم الدِّية في شريعة النصارى ...

وهذه الشريعةُ سَمْحَةٌ سهلةٌ لا حرجَ فيها كما قال الله تعالى: ﴿يريدُ الله بكم اليُسرَ ولا يريد بكم العُسْرَ﴾، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: بعثتُ بالحنيفية السَّمْحَّة.

فمن سعتها ... مشروعيةُ الاختلاف بينهم - أي بين علماء هذه الشريعة - في الفروع، فكانت المذاهبُ على اختلافها كشرائعَ متعدّدة، كلّ مأمورٌ بها في هذه الشريعة، فصارتْ هذه الشريعةُ كأنّها عدةُ شرائعَ بُعِث النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بجميعِها، وفي ذلك توسعةٌ زائدةٌ لها، وفخامةٌ عظيمةٌ لقدر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وخُصُوصِيَّةٌ له على سائر الأنبياء، حيث بُعِثّ كلٌّ منهم بحكمٍ واحدٍ، ويُبْعَثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم في الأمر الواحد بأحكامٍ متنوّعة، يُحكّمُ بكل منها ويُنفَّذُ ويُصوّب قائلُه، ويؤجرُ عليه، ویُهدی به. =

77