Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
وانصرفت الجماعة وكنت أنا آخر من انصرف، فجئت من توي إلى أحمد بن طولون كما أمرني، فأدخلت إليه فأصبته على تلك الحال، وهو كالمنتظر لي، فلما سلمت رد علي السلام، وقال لي: الساعة انصرفت؟ قلت: نعم أيها الأمير، أنا آخر من انصرف. فقال لي: جودت، هات ما معك. فقلت: هو في مكتب، فإن أمر الأمير بنقله نقلته، فأمر لي بدواة وبياض، فتنحيت ناحية، ونقلت جميعه في رقعة، وقمت فدفعتها إليه فقرأها، فلما استوفى قراءتها، قال لي: بارك الله عليك خذ ما تحت المصلى،
263
فمددت يدي، وأنا أرعد وأقدر أنها أفعى، قد أعدها لي تضرب يدي فتأتي على نفسي، فأصبت رقعة، فقال لي: اقرأها. فقرأتها، فإذا فيها جميع ما كتبته، ما غادرت منه حرفا واحدا، وإذا به قد استظهر علي، بأن جعل معي واحدا من القوم الذين كانوا معنا في الدعوة لا أعرفه، فعرفت بعد ذلك أنه كان بعض أصحاب صديقي، وأراد أحمد بن طولون [أن يعرف] أينا أصدق وأنصح فيما يرويه له فكانت نسختنا واحدة، فحمدت الله، جل اسمه، إذ لم أدع شيئا قل ولا جل حتى كتبته، وتيقنت أني لو تركت شيئا لاستحل قتلي، فلما قرأتها قال لي: دعها وامض مصاحبا. وأمر لي بألف دينار فأخذتها وانصرفت، وليس لي فكر ولا عقل إلا في أصدقائي، وما يكون منهم ، وما أتخوفه عليهم.
فلما كان من غد ركبت إلى صديقي صاحب الدعوة لأعرف خبره، فلما صرت إلى السكة التي يسكن فيها، لم أر للدار التي كان فيها أثرا، ورأيت موضعها رحبة مكنوسة مرشوشة واسعة نظيفة، لا أعرفها ولا رأيتها قط، وأقبلت أطلب الدار فلا أراها بوجه ولا سبب، فتحيرت ووقفت أتأمل الرحبة والموضع، فرآني بعض شيوخ الناحية فتقدم إلي وقال لي: أراك، أعزك الله، متحيرا، فقلت له: نعم، أعزك الله، أنا أطلب دار صديق وما أراها، ولولا معرفتي بهذا الموضع لقلت غلطت موضعها، فقد حرت من ذلك. فأخذ بعنان لجامي وقدمني ناحية وخلا بي، وقال لي: امض يا حبيبي في حفظ الله، فرحم الله صديقك، فقد كان حسن المجاورة لنا، وقاضيا لحوائجنا وحقوقنا. فقلت له: عرفني ما وقفت عليه لأعلمه وفرج عني. فقال: أما خبره فما أدري كيف جرى، إلا أنه سعي به إلى أحمد بن طولون، وبجماعة كانوا عنده البارحة في دعوة، فلما كان في أول الليل وافى إلى ها هنا أكثر من خمسمائة رقاص،
264
وأكثر من ثلاثمائة بغل عليها المزابل،
265
فأنزلت الدار إلى الأرض بأسرها، ونقل جميعها إلى البحر،
266
فما أصبح الصباح حتى صارت رحبة كما ترى مكنوسة مرشوشة، كأنه ما كانت ها هنا قط دار، وغرق صاحبها والجماعة الذين كانوا معه عنده؛ لأنه بلغني من جار لبعضهم أن رسل أحمد بن طولون كانوا يخرجون واحدا من منزله فيغرق وتؤخذ نعمته بأسرها، فاذهب في حفظ الله. فزاد غمي وقلقي، وعظمت مصيبتي وحزني، وما انتفعت بنفسي بعدهم.
Unknown page