Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
وحدث
261
سعد الفرغاني قال: ركب أحمد بن طولون يوما، فبينا هو سائر فإذا هو برقاص يعمل في دار، فقال: اقبضوا عليه وامضوا به إلى الدار. فقبض عليه ومضي به إلى الميدان.
262
فبقي جماعة أصحاب أحمد بن طولون في حيرة من ذلك، لا يدرون على ما ينزلون أمر الرقاص. ولما عاد إلى داره أحضره وأحضر السياط والعقابين فاعترف أنه جاسوس للموفق، وأنه أنفذ معه كتبا إلى جماعة من القواد، قد أوصل بعضها وبقي بعضها، وأنه عمل رقاصا ليخفي أمره ويختلط بالناس، ويسمع منهم الأخبار، ويسأل عما يحتاج إليه، فوكل به حتى مضى، وأحضره ما بقي من الكتب، فقبض على الجميع وأتى عليهم، وأطلق الجاسوس وقال له: عد إليه وعرفه أنا قد وقفنا، والحمد لله، على ما عمله، ولم يضرنا الله جل اسمه به، بل كشف لنا عن نيات أعدائنا، فاستأصلنا شأفتهم بما مكننا الله عز وجل به فيهم. ووكل به حتى خرج من العريش.
فقال له طبارجي: أيها الأمير، كيف علمت بهذا الرقاص؟ فقال له: يا هذا، إني لمحت تكته وهو يحمل قصرية الطين على كتفه [فرأيتها تكة] أرمني، فقلت: رقاص بتكة أرمني لا يكون. فعلمت أنه جاسوس، فكان من أمره ما قد رأيتم.
وحدث أحمد بن محمد الكاتب، وكان من عقلاء الناس وفهمائهم، وكان فيه دين وخير كثير، [قال]: أتاني رسول أحمد بن طولون و[قد] مضى من الليل أكثره، وأنا نائم في فراشي، فقرع بابي قرعا عنيفا فأشرفت عليهم عيالي، فإذا جماعة من الغلمان بالشمع والمشاعل، فراعهم ذلك وعرفوني فأشرفت عليهم، فعلمت أنه لم يستدع حضوري في ذلك الوقت لخير، فأيست من الحياة، فدخلت المستراح وتطهرت وتطيبت طيب من يفارق الدنيا، ولبست ثيابا نظافا، وقلت: تكون [مشيئة الله] وودعت أهلي، وقد كثر بكاؤهم وضجيجهم، ونزلت إليهم فركبت معهم، فمضوا بي حتى دخلت إلى أحمد بن طولون.
فرأيت قاعة الدار كلها شمعا يتقد، حتى خلت أنه نهار، وسرت فيها حتى بلغت المجلس الذي هو فيه، وبين يديه شمعتان عظيمتان في كل واحدة منهما قنطار، وهما بعيدتان منه، فسلمت وأنا أرعد خوفا، فرد علي السلام، فسكن بذلك بعض روعي، واستدناني فدنوت، فقال لي: أنت غدا في دعوة فلان، ومعك في الدعوة فلان وفلان، إلى أن أسمى لي جميع من كان وقع الاتفاق على حضوره. فقلت: نعم، أيد الله الأمير. فقال لي: امض واحذر أن يفوتك شيء مما يجري حتى تبينه وتنصرف به إلي تعرفنيه. فقلت: السمع والطاعة لأمير الأمير، أيده الله. فقال لي: انصرف راشدا. فانصرفت وقد حرت في أمري، فقلت: أبعد هذه السن أركب الآثام وما تقبح به الأحدوثة، أسعى بقوم بيني وبينهم مودة وعشرة وأخوة، وأكون السبب في قتلهم وإتلاف نعمهم؟! إنا لله وإنا إليه راجعون.
وتأملت الحال فإذا بي إن خالفت أمره قتلني، وأيتمت ولدي وأرملت زوجتي، فعملت على تحمل ذلك ويعلم الله، جل اسمه، كرهي له، وأني غير مختار لما لا أوثره، وأني صابر على ضيق الحال طلبا للصيانة، وتجنبا للدخول فيما فيه المأثم، ثم فكرت في وقوفه على الدعوة وعلى حالها، ومعرفة من يحضرها، فازداد خوفي منه وحذري، وحيرتي في أمري، وعدت إلى منزلي، وقد يئسوا مني، فلما رأوني تباشروا بي وحمدوا الله، عز وجل، على ذلك، ورأوني قد رجعت إليهم من الآخرة، وأنه، جل اسمه، قد تصدق بي عليهم، ووهبني لهم هبة جديدة.
فلما أصبحت وتعالى النهار، جاءتني رقعة صديقي صاحب الدعوة، يسألني أن أقدم الوقت في المصير إليه، ففعلت، وأظهرت أن بي عسر البول وأخذت معي مكتبا أكتب فيه كل ما يجري، وحضرت الجماعة التي أسماهم لي أحمد بن طولون، فكنت كلما سمعت شيئا يجب أن أثبته أريهم أني أقوم إلى المستراح، فإذا حصلت فيه كتبت كل ما جرى وتهيأ، لما أحب الله، عز وجل، إمضاءه، أنه لم يكن للقوم مذ وقت حضورهم إلى وقت انصرافهم حديث إلا ذكر أحمد بن طولون بكل قبيحة وعظيمة، والابتهال إلى الله، جل اسمه، بالدعاء عليه، وتمكين الموفق منه، كل ذلك لأمن بعضهم من بعض والثقة بهم، ولما في قلب كل واحد منهم منه، فلم أزل أكتب كل ما يقوله واحد واحد، وفي قلبي من ذلك ما قد علمه الله، عز وجل، إلى بعد العتمة.
Unknown page