Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
271
لتسلبه نفسه وما كان معه، فطردتها عنه حتى تخلص، فلما رآني في هذا الوقت وما نزل بي، أراد أن يخلصني بحصوله في موضع إن سلمت روحه لا يخرج منه آخر الليالي، ثم يغرم مالا لعله يثقل عليه ويجحف به، ليكون له الفضل علي، والله لا فعلت، ثم أقبل إليه فقال: انصرف في حفظ الله، فلن يضيع عندي فعلك، وقد حصلت لك قبلي مكرمة. فقلت له: قد قضيت يا أخي ما يجب عليك، كثر الله في الناس مثلك، فانصرف مصاحبا، فقد وثق الرجل بالله، عز وجل، في أمره، وهو، جل اسمه، يخلصه بجميل هذا الفعل.
فقال لي: لست أفعل، وعزمت
272
على الأول في القبول منه وقلت له: فلست آخذ منه شيئا وأعينه في خلاصك، ولن أدع حالا أبلغ بها خلاصه أيضا إلا بلغت. فامتنع وقال: والله لئن خالفتني وأخذته وحصلت بحضرة الأمير لأعرفنه، فاصرف الرجل ولا تعرضه للهلكة. فبقيت قد تحيرت ودهشت من كرمهما جميعا. فقال له الشاب: إذا كان الأمر على هذا فما أصنع في عارفتك التي في عنقي؟ أنشدك الله إلا قبلت المال وأزلت عني العار؛ فأنت تعلم أنه عار على الكريم أن يموت وعليه دين من ديون المعروف. فامتنع من قبول المال أيضا وقال له: إذا رأيت رجلا قد أحاطت به خيل تريد تسلبه فذبها عنه، فإذا فعلت ذلك فقد كافأت عارفتي، انصرف في كلاءة الله، عز وجل.
273
فانصرف الأعرابي باكيا متأسفا على قد فاته، مما بذله من نفسه وماله، ولم يزل يقبل رأس الأعرابي ويديه ورجليه ويبكي ويعول، ويسأله قبول المال وهو ممتنع من ذلك، حتى أبكى جماعتنا، فلما لم يجد فيه حيلة انصرف.
فلما دخلت إلى أحمد بن طولون وشافهته بخبر العمري، وذكرت له منه ما سره، وعرضت عليه النجب واستحسنها، قلت له: بقي أيها الأمير ما هو أحسن منها. قال: ما هو؟ قلت: الأعرابي الذي كتبت بخبره إلى الأمير، أيده الله، فأمرت بإشخاصه، قال: نعم، وما الذي فعل، وأردت بقولك إنه أحسن مما جئتنا به؟ قلت: كان من خبره كذا وكذا، وشرحت له جميع ما جرى من أوله إلى آخره، وخبر المال الذي بذل لي، ومشورتي عليه بأن يفعل، وصدقته عن جميعه، فأعجبه صدقي، واستحسن فعلهما، وأمرني بإحضار الأعرابي فأحضرته، فلما رآه قال له: يا أعرابي، قد كنا عزمنا في أمرك على ما يسوءك ولا يسرك، حتى وقفنا على ما جرى بينك وبين من أراد مكافأتك على جميلك عنده، وقد قمنا عن ذلك الأعرابي بحق عارفتك عنده بإطلاق سبيلك والإحسان إليك. وأمر أن يخلع عليه وأثبته في ديوانه وأسنى له الرزق، وأمرني بإيفاد رسول قاصد في حمل الأعرابي إليه ففعلت، فلما وافى أدخلته إليه، فقال له: كثر الله في الناس مثلك يا أعرابي وقد قمنا عنك بحق عارفتك، بما أتيناه في أمر صاحبك، وبك نجاه الله، عز وجل، وبجميل فعلك من مكروهنا. وأمر فخلع عليه وأثبته في ديوانه وأجرى له رزقا واسعا. ولم يزالا في خاصته ولا يخليهما في كل عيد من صلة واسعة إلى أن مات.
وحدث نسيم الخادم
274
Unknown page