104

وركب عشية الجمعة أمس، فأقام عند الأمير إلى قريب من العتمة، وانصرفت إلي الامرأة فقالت: وافى أبو طالب وهو مغموم فقال لي: كلمت الأمير في أمره، فقال لي: لقد أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة. ثم تقدم إلى رجل من أصحابه في المصير به إليه في غد عند جلوسه اليوم، وقال للمرأة: قولي له ارجع يا أخي إلى الله، عز وجل، فليتني ما تكلمت في أمرك. وطال علي بقية ليلي قلقا بأمرك أن يجيئك رسول في إحضاري، فبكرت إليك في هذا الوقت، خوفا من حال تلحقك فتغمني فيك، ورأيت والله جميع ما يوعدني به من المكروه أسهل علي من أن أخفر بك وأبطل ظنك.

فما استوفى كلامه حتى وافاني رسول الأمير، فتسلمه مني ومضى به إليه فلحقته، فرأيت الأمير وقد شغل الساعة عنه، فقال: أنا أسألك أن تدخل الساعة إليه من قبل أن يفرغ شغله فتدعو به حتى تشرح له قصته وتسأله في أمره. فبادرت معه ودخلنا إلى مولاي، وإذ به قد دعا بالرجل وهو بين يديه، وقد ذكر له جنايته فاعترف بها واعتذر إليه منها عذرا قبله منه، فتأملناه فإذا به قد لحقته عليه رقة ورحمة ورأفة ضد ما قدرناه فيه، فعلمنا أن العناية من الله، جل اسمه، قد سبقت عنايتنا، فغنينا عن سؤاله في أمره، وأمر بإطلاقه، وأمر له بجائزة.

قال نسيم: ثم قال لي مولاي: تسلمه يا نسيم مكرما. فأخذته إلي وقد لحقني من السرور بإطلاقه ما علمه الله، جل اسمه، وكذلك موسى بن صالح، فوصلته بدنانير كثيرة سوى ما وصل إليه من مولاي، وصرفته مع موسى بن صالح؛ لأنه اختار انصرافه معه ليبلغ أيضا في أمره ما يحبه، مما توصل به المثوبة من الله جل ثناؤه.

فلما خلوت بمولاي حدثته بقصته من أولها إلى آخرها، فأحضر موسى بن صالح وقال له: لله درك فيما أتيته في أمر الرجل، فأحضرنيه. فأحضرته، فلما رآه أكرمه وأدنى مجلسه، وجعله أخص أصحابه عنده، ولم يزل يواصله ببره إلى أن مات مولاي، رحمه الله.

وحدث نسيم الخادم

278

قال: حبس مولاي يوسف بن إبراهيم في موضع في داره لشيء أنكره منه، وكان إذا حبس رجلا في داره أيس منه. وكان ليوسف بن إبراهيم على جماعة من أهل الستر معروف كبير وتحمل لمؤنهم، فاجتمعوا وكانوا نحوا من مائة رجل،

279

لكل رجل منهم محل في نفسه وقديمه وستره ودينه، ووافوا إلى باب الجبل، فاستأذنوا على أحمد بن طولون، فأذن لهم فدخلوا إليه، وعنده محمد بن عبد الله بن الحكم، وجماعة من شيوخ البلد.

فابتدءوا الكلام بعد السلام بأن قالوا: قد اتفق لنا، أيد الله الأمير، من حضور هذه الجماعة مجلسه ما رجونا أن يكون ذريعة لنا إلى ما نأمله، ونحن نرغب إلى مولاي الأمير، أيده الله، في أن يسألها عنا ليقف على منازلنا، فسألهم عنهم فقالوا: نعرفهم بالستر والصيانة والدين والقديم النبيل، وقد عرضت على جماعة منهم العدالة فامتنع صيانة وتواضعا.

Unknown page