105

فأمرهم بالجلوس فلما جلسوا سألهم تعريفه ما قصدوا له فقالوا: ليس لنا أن نسأل الأمير، أيده الله، مخالفة ما آثره في يوسف بن إبراهيم؛ لأنه أهدى إلى الصواب فيه، لكنا نسأله، أيده الله، أن يقدمنا قبله فيما لعله قد اعتزم عليه في أمره من قتل أو مكروه، وهو في حل وسعة، وأن يفعل في أمره بعد ذاك ما أحب، وقد قضينا حق عارفته عندنا، وكافينا معروفه لدينا، بتحمل المكروه فيه، كما كان يبادر بمعروفه إلينا. فقال لهم: وكيف ذاك؟ فقالوا: ما أحوجنا أن نفكر معه في شيء نبتاعه لسنتنا من مئونة وكسوة وقليل وكثير، ولا وقفنا بباب غيره لما غنينا به عمن سواه، وما نؤثر، أيد الله الأمير، البقاء بعده، ولا السلامة من شيء قد وقع فيه. وعجوا بالبكاء بين يديه، فبكت الجماعة الحضور لبكائهم، ورق قلب أحمد بن طولون حتى تدمع

280

معهم وقال لهم: بارك الله عليكم وأحسن جزاءكم فقد كافأتم إحسانه إليكم، وجازيتم إفضاله عليكم. ثم قال: يوسف بن إبراهيم. فأحضر فقال لهم: خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا به معكم؛ فقد وهبت جنايته لكم. فأخذوا بيده وخرجوا من عنده، شاكرين داعين إلى الله، جل اسمه، في إطالة بقائه ودوام عزه.

ولم يزالوا حول يوسف بن إبراهيم حتى أوصلوه إلى داره، فشكر لهم فعلهم، وانصرفوا فرحين بما سهله الله بكرمه لهم من المحنة في أمره. وكان ذلك سبب رضا أحمد بن طولون عن يوسف بن إبراهيم.

281

قال مؤلف هذا الكتاب: اتصل بأحمد بن طولون عن القاسم بن شعبة شيء أنكره منه، فقبض عليه وحبسه في داره، ووكل به من يمنع أحدا يدخل إليه، فلا يخرج من عنده إلا غلام يقضي من حوائجه وحوائج حرمه ما لا بد منه في منزله، ولم يمتهنه بحبس في مطبق ولا غيره، وتركه في داره موكلا به، وكان ذلك من جميل أفعال أحمد بن طولون محافظة لأبيه. وكان يصحبه ويتقلب في نعمته رجل يعرف بابن أخت بن الزنق، وكان له عم من الشيوخ الأولين الذين فيهم السلامة والدين، فلما قبض عليه أحمد بن طولون فزع ابن أخت بن الزنق من مكروه يلحقه من أحمد بن طولون، وخافه وانقطع عنه، فبلغ عمه ذلك فأنكره عليه وحثه على المضي إليه، والتوصل إلى قضاء حاجة إن كانت له، فاحتج بأنه لا يصل إليه لمنع الموكلين لمن يجيئه، فقال له: [لأن] يقف على مصيرك إليه ومنعهم لك أحسن من وقوفه على انقطاعك عنه، فقال له: أنا أخاف من مكروه يلحقني، فقال له: كما كنت يا بني تتقلب في نعمته، تصبر على ما يلحقك في محنته، فلا تفضحنا بالقعود عن رجل أحسن إليك، فلم تكافئه على جميله عندك. فقال له: ما أجسر على ذلك. فلما أيس منه قال له: قبحك الله، سرقت معروف الرجل، وتركته يقارع محنته. فلم ينجح فيه قوله.

وركب الشيخ حماره، وصار إلى دار القاسم بن شعبة، وجيرانه يناشدونه الله ألا يتعرض لأحمد بن طولون فلم يقبل، وقال: والله لا تحملت عارا حملنيه هذا الرجل الجاهل القبيح الفعل. فلما وقف بباب القاسم بن شعبة وعليها الموكلون، وقوم من أصحاب الأخبار، سلم عليهم، فقال: كيف حال القائد أبي محمد، أيده الله؟ فقالوا له: امض يا شيخ في حفظ الله. فقال: ما أمضي حتى أقضي من حقه ما يلزمني؛ إذ كان قد بعد عنه من يلزمه أمره، ممن كان في جملته من أهلي.

فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فأحضره فقال له: ما كنت يا شيخ تعمله للقاسم بن شعبة؟ فقال: والله ما عملت له قط عملا، ولا تصرفت له في حال من الأحوال، ولا دخلت له دارا، ولا سلمت عليه قط، ولا أعرفه ولا يعرفني، ولكنه أولاني جميلا في بعض أقاربي، فتوقفت عن معاضدته في محنته، وقضاء حقه على ما أولاه، توقيا وخوفا، فلم تطق نفسي الصبر على ترك مكافأة جميله عنه، فانتصبت الساعة لذلك، والأمير، أيده الله، أحق وأولى بحسن مكافأة أبيه فيه، والصفح له عن ابنه في غلطة إن كان غلطها أو زلة إن كان زلها؛ فقد كان أبوه مشهورا بحسن الموالاة للأمير، أيده الله، جميل النصح له طول حياته. فقال أحمد بن طولون: يا شيخ ما في هذا المجلس أحد يقول فيما اهتديت إليه من إذكارك إياي حق أبيه، ولعمري إنه ليقضي عطفي على ولده، وصفحي عن زلله والتجاوز له عن خطئه، فأحسن الله جزاءك يا شيخ على جميل فعلك، وكثر في الناس مثلك؛ فقد نبهتني على قضاء حق أبيه، رحمه الله.

ثم أمر بإحضاره، فلما حضر خلع عليه خلع الرضا وأجازه، ورده إلى منزلته التي كانت عنده، وقال للشيخ: تسلمه يا شيخ بارك الله عليك، وأحسن إليك. فسبقه الشيخ إلى داره فنزلها، ولم يمض إلى منزله ولم يدخل داره معه، وحرص به واجتهد فما فعل، وقال له : إنما أردت قضاء حقك والقيام فيه بما قعد عنه ابن أخي خوفا وجزعا من الأمير، أيده الله، فلله الحمد على ما سهله لي من ذلك ويسره، وأستودعك الله. وانصرف إلى منزله، فلما كان من غد ركب إليه القاسم بن شعبة يشكر فعله، وعاد إلى أفضل ما كان عليه لابن أخيه إكراما للشيخ على ما أتاه في أمره.

وحدث نسيم الخادم قال: صار إلي ثابت بن سليمان - وكان سليمان هذا يكتب لشقير الخادم، ثم خدم بعد مولاي - ومعه رقعة وسألني أن أوصلها إلى مولاي، فأخذتها منه وقرأتها، فإذا فيها يذكر أن شقيرا الخادم أودع أباه أربعمائة ألف دينار، فأوصلتها إلى مولاي، وعجبت من سعايته بأبيه، فلما قرأها استحضره وقال له: قد قرأت رقعتك، فالأمر على ما ذكرته من حصول المال عند أبيك؟ قال: نعم، أيد الله الأمير، وإنما خشيت أن تمتد يد أخي إليه، ويتصل خبره للأمير بعد وقت، فيلحقني مكروهه، فقال له: أمسك الآن عن هذا واطوه عن الناس كلهم، ولا يعلم أبوك بمجيئك إلي، حتى أدبر الأمر في ذلك فيما أراه فيه، وانصرف مكلوءا. قال نسيم: فكثر تعجبي من إمساك مولاي عن هذه الجملة العظيمة التي لا يغفل عن مثلها.

Unknown page