Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
2
الكاتب، وكل هؤلاء كان لأحمد بن طولون عنده النعمة الجزيلة، والإحسان التام، والأشياء الخطيرة، إلا أن الحاسد لا دواء له، ولا يقنعه إلا أن يأتي على نفس من يحسده.
ومنهم طائفة أخرى مذهبهم النحو والغريب وعلم النجوم والشعر وما يجري مجراه. وانضاف إليهم جعفر بن عبد الله وأحمد بن [المؤمل] المعروف بأبي معشر، ومحمد بن أزهر
3
المعروف بالمنتوف. وكل هؤلاء حسنوا له التغلب على مصر، والفتك بأحمد بن محمد الواسطي.
وكان العباس ممتلئ القلب من هيبة أبيه، وكل من أشار عليه لا علم له بسياسة جيش، ولا تدبير أمر، فرام العباس أن يظهر التغلب من مصر فمنعه الواسطي، وخاف دخول الخلل في الأعمال، وكان أبوه أمره قبل خروجه إلى الشام واستخلافه إياه في البلد ألا يتجاوز ما يشير عليه به الواسطي، وقال له: يا بني، إن الواسطي قد عجم أمري وعرف ما يصلحه، فأقبل عليه، وفوض الأمر إليه، وتضافرا على ما يحسن معه الأثر فيما أنتما بسبيله، وكانت هذه الطائفة تزري
4
على الواسطي عند العباس، وتقع فيه وتوحش بينه وبينه، ويحكون عنه أن ألفاظه عامية، وأنه يغلط في كتبه، ويكثر اللحن فيها - وكان العباس أديبا حسن الأدب إلا أن الكمال لله، عز وجل - وقالوا فيه من هذا المعنى ما لا يضع منه ولا يعكر فيه، لفضله وعقله، لولا عمى قلب العباس وقلب من أشار عليه. أليس البلد في يده وأمره نافذ فيه، وفيما يريده من مال وغيره، متمكن منه مبذول له؟ ولكن نعوذ بالله من الخذلان.
وكتب الواسطي إلى أحمد بن طولون كتبا بخطه، يذكر فيها ما يلحقه من سوء اعتراض العباس، ومنعه له من استيفاء الرسوم السلطانية بمصر، وأنه مقبوض اليد، ويذكر الطائفة التي استولت عليها وتخطيها في البلد إلى ما ليس من عملها، وكان محبوب بن رجاء عدو الواسطي، فكان كلما ورد من الواسطي كتاب إلى أحمد بن طولون ينفذه إليه لموضع كتابته لأحمد بن طولون، وأخذه كل كتاب يرد عليه، وكتب عنه بما يأمره به، فكان ذلك مما يزيد في غيظ العباس على الواسطي ويحقده له.
ولج العباس وجد فيما اعتزم عليه، فلخوف الواسطي من سوء العاقبة، قال له بما جعله له أبوه من اليد في البلد: إن أضربت أيها الأمير عما قد حملت عليه وإلا منعتك منه. فأجابه العباس بجواب قبيح، وخاف الواسطي تأنيب أبيه في ستر الأمر عنه، وأن يلزمه أحمد بن طولون الذنب فيما يأتيه العباس، فكتب إليه يشرح له القصة، ولم يستر عنه منها شيئا، ويذكر أن حيلته تعجز عن منعه، فأجابه يوصيه بالمداراة له إلى موافاته، فاستعمل معه ذلك حتى زاد أمره، وعجز عن مداراته، فاستتر في داره ولم يحتمل الامتهان، فركب إليه العباس وهجم عليه وأخرجه مكرها، ووجد عنده الأجوبة من أبيه عن كتبه كانت إليه في أمرها، فأخذها فلما وقف عليها اشتد خوفه من أبيه وساء ظنه به، فقيد الواسطي وأيمن الأسود وكان من غلمان أبيه وثقاته؛ لأنه أشار عليه بما يشير به الناصح.
Unknown page