Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فلما خلا قلبه من ابنه العباس، واطمأن بالظفر، وأمن ما كان يتخوفه، تحدرت عليه الغير من جهة أخرى، فتنكر عليه لؤلؤ غلامه الذي كان أقربهم إلى قلبه محلا، وأشدهم مكانا وزلفى! رباه صغيرا، ومده كبيرا وكهلا، وعلى حسب ذلك سد به الثلمة التي خاف منها، وجعله المحامي والذاب عنها، فكان دخول الخلل عليه من أوكد احتياطه، وانحلال مبرمه من أوثق رباطه.
حدث أسامة بن حباب وكان مضموما إلى لؤلؤ، قال: حمل أحمد بن طولون غلامه لؤلؤا في خرجته إلى أعماله بديار مضر،
38
بما لا يتسمح به لأحد من أولاده، ولا غيرهم من خاصة أصحابه المخصوصين به من مال ومتاع، وكراع وآلة، وكل ما يحتاج إليه وما لا يحتاج، ثم أمر أن ينادى ونحن يومئذ معسكرون بمنية
39
مال الله ببراءة الذمة من أي رجل من رجال الأمير أبي محمد لؤلؤ دخل إلى المدينة، وليست معه حجة منه إلا حل به غليظ المكروه. قال:
نفقت لي دابة، فاستأذنت لؤلؤا في الدخول إلى الفسطاط لأعتاض منها، فأذن لي، فأخذت كتابه إلى أحمد بن طولون مولاه، ودخلت ليلا، فإني لسائر إذ تعثر فرسي بشيء، فنزلت أنظر، فأصبت كيسا فأخذته وركبت، ووافيت منزلي فنظرت الكيس فإذا به مملوء دنانير، وكانت لي امرأة صالحة، فحدثتها بخبره فأحضرت الميزان فوزنت الدنانير، فكانت سبعمائة دينار، فقالت لي: يا هذا لا تشره نفسك إليه، فلعله لمن لا يملك غيره، ولكن عرف به وخذ جعلك منه حلالا موفرا، يجعل الله لك فيه البركة، فسكنت إلى قولها، فلما أصبحت أخفيت شخصي من أن يراني أحد، فيعرف أحمد بن طولون خبري، فأحتاج أن أقيم الحجة في دخولي، فوجهت إلى صديق لي في ابتياع دابة عوضا من دابتي.
فبينا أنا كذلك إذ سمعت النداء: «من دلنا على كيس فيه دنانير جعله مائة دينار حلالا طيبا وأجره على الله.» فقالت لي زوجتي: كيف ترى؟ مائة دينار حلال خير من سبعمائة حرام. فقلت للغلام: أدخل المنادي. فدخل ومعه إنسان من التجار سيماه تدل على أنه خشن الطبع، فقلت للمنادي: أين صاحب الكيس؟ فقال: هذا هو. فقال لي: الكيس عندك؟ قلت: نعم، وجدته في الطريق بموضع كذا وكذا. قال: هاته. فأخرجته إليه، فلما رآه لطم وجهه، وقال: ذهب مالي. وصاح: أنا بالله وبالأمير. ثم قال لي: الأمير بيني وبينك. فخشيت أن يسمع أصحاب الأخبار، فيذهبوا بي إلى أحمد بن طولون، فبادرت بالخروج معه اضطرارا، وقلت لزوجتي: رضيت؟ هذا رأيك الحسن ومشورتك الجميلة، ولكن ليس العجب إلا مني حيث قبلت منك. فقالت لي: لا تخف فإن الله، عز وجل، معك.
فحملت الكيس معي، وأخذت كتاب لؤلؤ إلى أحمد بن طولون حجة في دخولي، فلما توسطنا الطريق قام إلي أصحاب الأرباع،
40
Unknown page