Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فأريتهم كتاب لؤلؤ وعرفتهم ذهابي به إلى الأمير، ومضينا حتى دخلنا إلى أحمد بن طولون فقال لي: ألم تخرج مع لؤلؤ؟ قلت: نعم، أيد الله الأمير. قال: فلم دخلت؟ فعرفته خبري في دابتي ودفعت إليه كتاب لؤلؤ، فلما قرأه قصصت عليه خبري وخبر الكيس، وما كان من الرجل، فأحضره فقال له: كم كان في كيسك؟ قال: ألف دينار. فأمر بإحضار الميزان ووزن الدنانير بين يديه، فوزنت فكان مبلغها سبعمائة دينار، فأمر بردها إلى الكيس، فقال لي: اقبض أنت الكيس إليك إلى أن يجيئك صاحبه. وقال للرجل، اطلب أنت كيسك جميع الله عليك. فقال: أيها الأمير الله الله في، هو والله كيسي. فقال له: لو كان كيسك لما ادعيت أكثر منه. وأمر بإخراجه فأخرج، وقال لي: امض لشأنك فانصرفت بالكيس وابتعت منه الدابة واتسعت، فقالت لي زوجتي: كيف رأيت مشورتي؟ لو استحقه التاجر لما حرمه الله إياه، وجعله رزقا لك. فتركت باقية عند زوجتي، ورجعت إلى لؤلؤ فحدثته بما جرى، فضحك وأمر لي بفرس. وكانت هذه الخرجة العظيمة التي بلغ أحمد بن طولون بلؤلؤ فيها كل مبلغ جليل هي التي خفر به فيها واستأمن إلى الموفق.
قال مؤلف هذا الكتاب: كان أحمد بن طولون إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه محمد بن سليمان، وقال: هذا منك ليس منه. فحمل محمد بن سليمان الخوف من أحمد بن طولون على أن حسن للؤلؤ حمل جملة من المال في الأعمال، والاستئمان إلى الموفق، فمنع عامل الخراج لؤلؤا من المال، واستخف برأي محمد بن سليمان، حتى أخذ جميع ما أراد من أموال الأعمال، فلما حصل له المال قال له محمد بن سليمان: قد علمت ما فعل بابنه العباس، وهو أعز الناس عليه، وقد تخلصنا منه، فإن لم تبادر وإلا لم نأمنه. فأجابه إلى ما أشار به عليه.
فكتب محمد بن سليمان إلى الموفق عن لؤلؤ كتابا يعرفه رغبته في المصير إليه، والتصرف تحت أمره ونهيه، والدخول في طاعته، فاستبشر الموفق لذلك، لما في نفسه من مولاه أحمد بن طولون، وابتهج له، ورأى أن ذلك إحدى الفرص التي ينتهزها ويبادر إليها، فأجابه بأحسن جواب وأنفذ إليه خلعا وحملانا.
وكانت مع لؤلؤ طائفة من خواص أحمد بن طولون، فقدر فيهم أنهم يساعدونه على ما اختاره، فلما تبينوا حاله أنكروا ذلك ولم يساعدوه، فكان أكثر ما قدروا عليه، لما خرج الأمر من أيديهم، أن تركوه وانصرفوا عنه إلى مولاه بجملة خبره، فلما وردوا عليه وشرحوا له حاله، وما هو عليه، تكدر عليه مشربه الذي كان يشربه فيه، ومر مذاقه الذي كان يستحليه، لنكد الدنيا وأيامها، كما قال ابن الرومي:
تذكر ساعة ألعقت فيها
وأنت وليدها عسلا وصبرا
لتعلم أن هذا الدهر يمسي
ويصبح طعمه حلوا ومرا
وظن أحمد بن طولون أن المخادعة تمكنه من لؤلؤ والملاطفة تثنيه، ولم يعلم أن سبب زوال ملكه يكون على يدي محمد بن سليمان لما حقده عليه من أفعاله به وحققه منه.
فكاتب أحمد بن طولون لؤلؤا [وأرسل إليه] كتابا يلاينه فيه، ويذكره تربيته له، وما يجب من حقه، وكان من بعض ألفاظه في مكاتبته له: «وفقك الله لطاعته، وراجع بك إلى ما هو أعود عليك دينا ودنيا برحمته، إنه ليس شيء يبلغه والد شفيق، ومستصلح رفيق، من مواصلة وعظ، وتنبيه على حظ، أو دلالة على رشد، وحض على سلوك قصد، إلا وقد بلغنا أقصى نهايته [معك] وأبعد غايته فيك، ضنا بك وشحا عليك، وتأميلا لمراجعتك، وما تركنا شيئا ظنناه يؤنس وحشتك، ويرفع محلك، ويتجاوز به حق حرمتك، إلا وقد أتينا منه، على ما نرجو أن يكون لروعتك مسكنا، ولنفسك مؤنسا ومطيبا، ولك من كل خوف موقيا.
Unknown page